ما بين نظام يحتضر وآخر لم يولد: إلى أين يتجه النظام الدولي؟
"الأزمة تكمن في أن القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد؛ وفي هذا الفراغ تظهر الوحوش"
بهذه العبارة لخّص المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي في دفاتر السجن، لحظات التحوّل التاريخي التي تعيشها المجتمعات حين يتآكل نظام قائم دون أن يتشكل بديله بعد. وهي عبارة تبدو اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى، إذ يجد العالم نفسه في قلب مرحلة انتقالية عميقة، تتآكل فيها قواعد النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، دون أن تبرز بعد ملامح نظام بديل مستقر.
لا يبدو ما يجري في العالم اليوم مجرد سلسلة من الأزمات المنفصلة، بل هو تعبير عن أزمة بنيوية تطال النظام الدولي ذاته. فمن فلسطين إلى إيران، مرورًا بلبنان واليمن والعراق وأوكرانيا، تتكرر مشاهد العجز الدولي، ويتكرس نمط من الفوضى المنظمة التي تكشف حدود القواعد التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. لم تعد هذه القواعد قادرة على ضبط السلوك الدولي، ولا المؤسسات القائمة قادرة على فرضها أو حتى الدفاع عنها.
تآكل القواعد: من نظام قانوني إلى منطق القوة
قام النظام الدولي الحديث، نظريًا، على مجموعة من المبادئ القانونية، أبرزها حظر استخدام القوة واحترام سيادة الدول، كما نصّ عليها ميثاق الأمم المتحدة (المادة 2/4). غير أن الممارسة الدولية خلال العقود الأخيرة كشفت عن تراجع واضح في الالتزام بهذه المبادئ، لصالح منطق القوة وإعادة تفسير القواعد وفقًا لمصالح الدول الكبرى.
تجلّى هذا التحول في عدد من الوقائع المفصلية، وفي مقدمتها غزو العراق عام 2003 دون تفويض صريح من مجلس الأمن، وهو ما اعتُبر خرقًا واضحًا للقانون الدولي (Gray, 2018) غير أن هذه الواقعة لم تكن استثناءً، أنما بداية لمسار أخذ يتكرس تدريجيًا، حيث برزت حالات أخرى أكثر حدّة، من بينها ما يُثار بشأن الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، وصولًا إلى التصعيدات الراهنة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
هذا المسار يكشف عن نمط متجذّر من الانتقائية في تطبيق القانون الدولي، حيث تُفعَّل قواعده حين تتوافق مع مصالح القوى الفاعلة، وتُهمَل حين تتعارض معها، بما يقوّض مبدأ المساواة بين الدول. ومع تزايد حالات عدم الامتثال لقرارات الأجهزة الدولية، وأن الإشكال امتد ليطال أحد الأسس التي يقوم عليها النظام القانوني الدولي، وهو مبدأ حسن النية في تنفيذ الالتزامات.
في هذا السياق، لم يعد القانون الدولي إطارًا ناظمًا للعلاقات الدولية بقدر ما أصبح أداة تُستخدم بشكل انتقائي، وهو ما أشار إليه ''Martti Koskenniemi'' في تحليله لمرونة القانون الدولي وإمكانية توظيفه سياسيًا (Koskenniemi, 2005) وهذا التحوّل يعكس تراجعًا في "سلطة القاعدة" مقابل صعود "سلطة الفاعل".
أزمة المؤسسات: الأمم المتحدة بين العجز والتهميش
إذا كانت القواعد القانونية للنظام الدولي تتآكل، فإن المؤسسات التي يفترض أن تحميها تعاني بدورها من أزمة عميقة. وفي مقدمة هذه المؤسسات تأتي منظمة الأمم المتحدة، التي تبدو اليوم عاجزة عن أداء دورها في حفظ السلم والأمن الدوليين.
يعود ذلك، بشكل أساسي، إلى بنية مجلس الأمن، حيث يؤدي استخدام حق النقض (الفيتو) من قبل الدول الدائمة العضوية إلى تعطيل أي تحرك جماعي فعّال. وقد ظهر هذا العجز بوضوح في عدد من الأزمات المعاصرة، حيث فشل المجلس في اتخاذ قرارات حاسمة بسبب الانقسامات السياسية بين أعضائه (Hurd, 2014).
ولا يقتصر الأمر على العجز، بل يمتد إلى التهميش، حيث تلجأ الدول أحيانًا إلى العمل خارج إطار الأمم المتحدة، سواء عبر تحالفات عسكرية أو إجراءات أحادية، وهو ما يقوّض شرعية النظام المؤسسي الدولي برمّته. ومع تكرار هذه الممارسات، تتراجع الثقة في فعالية المؤسسات الدولية، وتفقد قدرتها على لعب دور الوسيط أو الضامن.
تعددية الأزمات أم أزمة نظام؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن ما يشهده العالم هو مجرد تعددية في الأزمات، غير أن القراءة الأعمق تكشف أنها تجليات لأزمة واحدة، هي أزمة النظام الدولي ذاته. فالحروب الممتدة، والتدخلات الخارجية، وازدواجية المعايير، جميعها تشير إلى خلل بنيوي في طريقة تنظيم العلاقات الدولية.
في الشرق الأوسط، على سبيل المثال، لا يمكن فهم تعقيد النزاعات بمعزل عن السياق الدولي الأوسع، حيث تتداخل المصالح الإقليمية مع حسابات القوى الكبرى، في غياب إطار قانوني أو مؤسسي قادر على ضبط هذا التداخل. وكذلك الحال في أوكرانيا، حيث يعكس الصراع حدود النظام الدولي في احتواء النزاعات بين القوى الكبرى.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن "عبثية" الحروب أو "ارتجاليتها" تبسيطًا مخلًا، إذ أن ما يجري هو، في الواقع، تعبير عن إعادة تشكيل موازين القوى، وليس مجرد قرارات فردية أو أحداث معزولة.
نحو مرحلة انتقالية: هل يحتاج النظام الدولي إلى صدمة؟
في ظل هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري: هل نحن أمام انهيار كامل للنظام الدولي، أم مجرد مرحلة انتقالية نحو نظام جديد؟
تشير العديد من التحليلات إلى أن العالم يشهد انتقالًا من نظام أحادي القطبية إلى نظام أكثر تعددية، حيث تتنافس قوى دولية وإقليمية على إعادة تشكيل قواعد اللعبة. غير أن هذه المرحلة الانتقالية تتسم بدرجة عالية من عدم الاستقرار، نظرًا لغياب توافق دولي حول شكل النظام الجديد.
وقد أشار بعض المسؤولين الأمريكيين، ومنهم ماركو روبيو، إلى أن النظام الدولي القائم لم يعد يعكس الواقع الجيوسياسي الحالي، وأنه بحاجة إلى إعادة صياغة (Foreign Affairs, 2023). وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا داخل دوائر صنع القرار بأن القواعد القديمة لم تعد كافية.
غير أن الانتقال إلى نظام جديد لا يحدث بشكل سلس، بل غالبًا ما يترافق مع صدمات كبرى، سواء كانت أزمات اقتصادية أو صراعات عسكرية أو تحولات سياسية عميقة. وفي هذا الإطار، قد تكون الأزمات الحالية جزءًا من عملية إعادة التشكيل هذه، وليس مجرد انحراف عنها.
في زمن ''الوحوش"
ما وصفه غرامشي بمرحلة ''ظهور الوحوش'' يبدو اليوم وصفًا دقيقًا للحظة الدولية الراهنة. ففي ظل غياب نظام واضح ومستقر، تتكاثر مظاهر الفوضى، وتتراجع القواعد، وتضعف المؤسسات، بينما تتقدم قوى جديدة تسعى لفرض رؤيتها الخاصة للنظام العالمي.
غير أن هذا الوضع، رغم خطورته، لا يعني بالضرورة نهاية النظام الدولي، بل قد يكون بداية لتحوله. فالتاريخ يبيّن أن الأزمات الكبرى غالبًا ما تسبق ولادة أنظمة جديدة، أكثر تعبيرًا عن موازين القوى القائمة.
السؤال، إذًا، ليس ما إذا كان النظام الدولي سينهار، بل كيف سيتشكل النظام الذي سيخلفه، ومن ستكون له اليد العليا في رسم معالمه؟