مبادرة أممية جديدة لحلحلة الأزمة الليبية تثير جدلا
طرابلس - أثارت المبادرة الأممية الجديدة الرامية إلى تشكيل "طاولة مصغرة" لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين جدلا واسعا، حيث أعادت إلى الأذهان سلسلة المبادرات التي تعثرت سابقاً في إخراج البلاد من المتاهة السياسية. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تفتقر إلى ضمانات النجاح في ظل غياب حل ليبي - ليبي، مما يجعلها تبدو كأنها محاولة لتسكين الأزمة لا حلها.
ويعكس اختيار أسماء الممثلين طبيعة التوازنات القائمة ومراكز القوة الحالية، حيث يضم وفد حكومة الوحدة الوطنية شخصيات من الدائرة الضيقة لرئيسها عبدالحميد الدبيبة، من بينهم وليد اللافي وزير الدولة للاتصالات والشؤون السياسية ومصطفى المانع العضو بمجلس إدارة المؤسسة الليبية للاستثمار. ويؤشر هذا الاختيار، بحسب محللين، إلى رغبة الحكومة في تحصين وجودها التنفيذي وضمان ألا تؤدي أي تفاهمات انتخابية إلى تقويض مكتسباتها الحالية.
ويضم وفد حكومة الشرق شخصيات ذات خلفيات قانونية ودبلوماسية وازنة، مثل عبدالرحمن العبار وبوهمود، في محاولة للتركيز على قضايا خلافية جوهرية مثل شروط الترشح للرئاسة.
وبينما تسوق البعثة الأممية لهذه الآلية كـ"ممر سريع" لتجاوز الانسداد، تبرز عقبات بنيوية قد تجعلها عرضة للفشل، حيث يبرز اعتراض المجلس الأعلى للدولة كحجر عثرة أمام هذه المبادرة؛ إذ يرى فيها "التفافاً" على المؤسسات التشريعية وتهميشاً لمخرجات لجنة (6+6) التي استغرقت وقتاً طويلاً للوصول إلى توافقات هشة.
ويخشى متابعون للشأن الليبي أن تتحول الطاولة إلى "صفقة ثنائية" بين القوى المهيمنة عسكرياً ومالياً، مما قد يؤدي إلى إقصاء بقية المكونات السياسية والاجتماعية، ويزيد من حدة الاستقطاب.
ويرى محللون أن إصرار البعثة على خلق "آليات موازية" كلما تعثرت المسارات الرسمية يسهم في إضعاف ما تبقى من هيبة للمؤسسات الليبية، ويحول الحوار السياسي إلى مجرد مناورات لتقاسم النفوذ بدلاً من بناء الدولة.
وتأتي هذه التحركات الأممية المتسارعة قبيل إحاطة مجلس الأمن، فيما يبدو أنه محاولة لخلق زخم دبلوماسي يوحي بوجود تقدم على الأرض. إلا أن الواقع يشير إلى أن الدعوة لهذه الطاولة، في ظل غياب تنازلات جوهرية من الأطراف الرئيسية، قد لا تتجاوز استراتيجية "إدارة الأزمة" بانتظار ظروف دولية أفضل.
ويمكن القول إن فرض حلول جزئية عبر طاولات مصغرة قد يبقي ليبيا أسيرة حالة "اللاحرب واللاسلم". والأخطر من ذلك، أن تهميش القوى السياسية الأخرى قد يدفع نحو انهيار أمني مفاجئ إذا ما شعرت تلك الأطراف أن "تفاهمات الكبار" تجري على حساب وجودها ومصالحها الحيوية.