متاعب الهوية والتجديد عند الراحلة كوليت الخوري

روائية سورية تُزاوج في أدبها بين التحرر والانكفاء على الذات المصدوعة، وظّفت مشاعر الاغتراب والتمرد العاطفي كأداة تعبيرية تعكس أزمات جيل الاستقلال وقضايا الهوية والأرض.

تنتمي كوليت الخوري (1931 -2026) لجيل حداثة الستينات في سوريا. وهذا يعني أن خطابها كان مع الحداثة الغربية والليبرالية بالمفهوم الوطني والملتزم بمسائل الهوية والأرض والتاريخ، لكن هذا لا يمنع أنها احتفظت لنفسها بمسافة عن كل تلك العناصر. فقد اهتمت بتكامل الشخصيات مع الموضوع، ولم تعلّق أية أهمية على  الحبكة.

ونادرا ما توجد في كتابات كوليت الخوري حكاية واضحة، ويغلب على نصوصها الانطواء على الذات والتنقيب في الشؤون العاطفية، وما يتحرك فيه  من مشاعر وأحاسيس. بمعنى أن كتابتها صورة لنفسها المصدوعة والمنهكة والتي تمر بمرحلة تأزيم. وغالبا ما تدمج مصاعب الحياة الشخصية مع الأزمات الخانقة التي عانى منها جيل الاستقلال. وربما لهذا السبب كانت قصص الحب لديها تعاني على الدوام من مشكلة مع الرقابة والأخلاق. وإذا أشار الطرف الأول إلى تحسس من الدولة الوليدة وهي دولة استقلال تابع، دخل الثاني بعلاقة مريبة مع الماضي والهوية والتقاليد.

حاولت كوليت الخوري بكل جهدها أن تحرق هذه الحدود لتؤسس لثقافة تحررية ومسؤولة، ولكنها لم تتجاوز عتبة الاحتجاج والصياح والتمرد اللامجدي (وعلى هذا الأساس حملت لقب "ذات الأظافر الطويلة"، فقد كانت تدعو للرفض بدون أي استراتيجية لبديل واضح ومحدد). ويمكن القول إنها كررت رسالة سلفها أمين الريحاني، وحولت صوتها الغاضب إلى مجرد "هتاف" في أرض محروقة - وبتعبير الربحاني لصياح وعويل بين الوديان والقفار. ولم يكن هذا أمرا غريبا على جيل الستينات. فقد أعادوا تعليب وتغليف صوت رواد أدب المهجر، وعملوا على إحياء صوت محكوم بمشاعر النوستالجيا والضياع والاغتراب، إلى جانب صوت غاضب ومتذمر وساخط. وأنت لا تعرف لمن تتوجه هذه النقمة، فهي كونية وشاملة ولا توفر أحدا، ولا حتى الذات. ولذلك تبدو أقرب إلى لغة الهوس والفصام والاستحواذ،  أو أنها لغة أعماق ساخطة تبحث لنفسها عن شكل استعاري ومجازي.

وإن وجدت المستشرقة أورليكة شتيلي فيربك أن زكريا تامر شاعر القصة العربية، ينطبق هذا الكلام أيضا على  كوليت الخوري. فهي تضع نصوصها على الحد الفاصل بين الأنواع، وتدمج الرؤية الشعرية مع عاطفة ومشاعر شخصياتها، ولكن دون أن تجبرهم على الدخول في نثر الحياة، وهو ما يخول هذه الشخصيات لتكون فوق تفاصيل واقعها،  وغالبا ما يتسبب ذلك بخلع يفصل الجوهر العام للفكرة عن واقع ومضمون الشخصية.

ويجدر التنويه أن كوليت الخوري كتبت الشعر باللغة الفرنسية. وأصدرت بها مجموعتين. ظهرت الأولى عام 1957 بعنوان  "عشرون عاما - vingt ans "والثانية عام 1960 بعنوان "رعشة - frisson ". وبكل تأكيد تأثرت هذه النصوص بدراستها للأدب الفرنسي. فقد انتسبت للمعهد الفرنسي بدمشق في بداية حياتها، وأكملت علومها في جامعة القديس يوسف  ببيروت وحصلت منها على إجازة في الحقوق، وأتبعتها بإجازة من جامعة دمشق في الأدب الفرنسي. ورتب ذلك عليها أعباء إضافية وصعبة. فقد كانت مثل كل الرواد تبحث عن نفسها في عقل وثقافة الآخرين (ثقافة الاستعمار الأوروبي أو ثقافة الجسد الأبيض بلغة جوديت بطلر). ويلاحظ أنها اختارت باللاشعور أدوات المؤسسة الاستعمارية، ورهنت نفسها للأصوات المنفردة التي واكبت عصر الفتوحات والتوسع، ولكن دون أن تنخرط في هذه السياسة بالضرورة، ومن هؤلاء كوليت وفرانسواز ساغان وفينوس خوري غاتا. ولم تدخل في دائرة دوبوفوار أو تقاليد الرواية الجديدة. وفكرة أنها كاتبة نسائية تهتم بتحرير المرأة وبدحض المفاهيم القروسطية للعقل المذكر تبقى عندي موضع شك. فقد كانت دعوتها لتحرير الجسد ترمز لتحرير الأرض والمجتمع (انظر كتابها "قصتان" 1972، وروايتها القصيرة "دعوة إلى القنيطرة"  1976، وهي عن ذيول حرب 6 تشرين).  واهتمامها بقضايا المرأة لم يكن بمعزل عن بقية اهتماماتها الليبرالية التي شملت عتق الذكورة من سجن ثقافة عصور الانحطاط.  عموما يمكن إجمال النتيجة بنقطتين.

الأولى أن محاولات كوليت خوري لكسر ثقافة الاستعمار، ولتحرير الروح الوطنية وتأسيس شخصية وكاريزما لدولة الاستقلال، جعلها داخل استراتيجية الاستعمار نفسه. حتى أنها لم تتأثر بروح الجيل الضائع ولا حلقة الوجوديين المعارضة لسياسة التوسع أو للحل العسكري. ولذلك لا تخلو كتاباتها من إراقة الدماء وتفكيك ما يسمى بخطاب الكراهية. وقد قربها ذلك من فكرة الأدب الطبيعي الذي كان يصارع في سبيل البقاء (كما عبر عنه الثلاثي الشهير زولا وبلزاك وموباسان)، بالإضافة للاحتكاك مع أدب الحرب الباردة الذي وجه كراهيته للمهاجرين، وأعرب عن مشاعر الشك والاستعلاء على نحو سافر (وأذكر هنا على وجه الخصوص خطاب "ساحات الشرف" لميشيل رواه، وأسلوب "خضوع" لميشيل أوليبيك. فقد تقاطعت معه بالتحريض على الرؤية الجمالية والاجتماعية لمجتمع يفتقر لأدنى درجات الإيمان بالذات).  

الثانية أن محاولاتها لتنقية خطابها من ثقافة التابع عزلها عن الطيف الواسع للمشهد السوري، ولا سيما المتأثر بالروح الإنسانية للأدب التحرري الأمريكي (بدءا من هارييت بتشرستاو وحتى أليكس هالي وكولسون وايتهيد)، وما تبع ذلك من موجات جاءت من إفريقيا وآسيا. وعلى الأغلب كان ذلك هو السبب الأساسي وراء عدم تأنيث الأرض كما جرت العادة. فقد صورت نفسها بصورة امرأة مسترجلة، أو أرض تغطيها الصخور والأشواك (كما ذكرت في روايتها "كيان").  وأكدت في رواية "أيام معه" أنها تستمد  قوتها من الرجل الكامن فيها، وبلغة بيكو آير  هي "الرجل الذي يسكن في مخيلتها".  وهذه نبرة لا تخلو منها أدبيات العقد السادس.

وتأتي هذه الظاهرة ضمن سياق مغامرة الحداثة ككل.  فقد اتبعت سياسة إحيائية ذات وجهين. شكل ثوري وليبرالي، ومحتوى يستعيد أخلاق وتقاليد الثقافة الشفوية (ضمن جو الكتب المقدسة وسير الأنبياء و الأئمة، إن لم يكن أبطال الملاحم التي عبرت عن عجز الإنسان البسيط أمام جرح الحضارة في القرن الثالث عشر وما بعد. حتى أن أهم تراث حداثتنا الكلاسيكية هو تعريب لنصوص لاتينية وعبرية وردت في الكتاب المقدس. ولا ضرورة للتذكير بعذاب الأنبياء وكونهم من بين الذكور حصرا).