محمد طاهر.. سقوطٌ مدوِّ من متن الأدب إلى قفص الاتهام بالاعتداء الجنسي

الكاتب المصري يواجه تهم استغلال نفوذه الأدبي للإيقاع بضحايا قاصرات وابتزازهن إلكترونياً، مما أدى لملاحقته قضائياً بتهم جسيمة أبرزها الاتجار بالبشر.

القاهرة - لم تكن قضية الكاتب والمدوّن محمد طاهر مجرد واقعة جنائية عابرة تصدرت عناوين الأخبار لفترة وجيزة، بل مثّلت صدمة وجودية في الوعي الجمعي المصري، وكشفت عن الكيفية التي يمكن بها تحويل النفوذ الثقافي والمعرفي إلى سلاح فتاك للاستدراج والسيطرة.

بدأت فصول هذه الحكاية منذ سنوات طويلة، حين نجح طاهر في بناء هالة من الوقار الأدبي والرصانة اللغوية من خلال مبادرته الشهيرة "اكتب صح"، والتي قدم نفسه من خلالها كحارس للغة العربية وموجّه للأقلام الشابة، مما منحه مفتاح الدخول إلى عقول الفتيات الطامحات في بيئة كان يُنظر فيها إليه كأستاذ ومعلم لا يرقى إليه الشك.

ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه المنصة التعليمية من محراب للعلم إلى شبكة اصطياد غير مرئية، حيث اتبع المتهم استراتيجية نفسية معقدة بدأت بـ "هندسة الثقة"، مستهدفاً القاصرات اللواتي يمتلكن شغفاً أدبياً يحتاج إلى توجيه.

كانت الرحلة تبدأ بكلمات التشجيع المنمقة والاحتواء المعنوي الذي يشعر الضحية بتميزها، قبل أن ينتقل تدريجياً إلى كسر الحواجز المهنية بدعوى الصداقة الفكرية، وصولاً إلى مرحلة توريط الضحايا في إرسال صور أو مقاطع فيديو في سياقات تبدو في البداية بريئة أو كاختبارات للثقة، لتتحوّل بعدها هذه المواد إلى أدوات لابتزاز وحشي يفرض عليهن الرضوخ لمطالبه الجنسية تحت وطأة الخوف من الفضيحة الاجتماعية، وفق ما جاء في شهادات الضحايا.

إلا أن جدار الصمت الذي استمر لسنوات تصدع فجأة في منتصف عام 2024، حين قررت إحدى الناجيات التخلي عن خوفها ونشر تفاصيل محاولات الابتزاز التي تعرضت لها، ليكون ذلك بمثابة شرارة الانفجار الكبير التي دفعت عشرات الفتيات الأخريات للإدلاء بشهاداتهن.

ولم تكن هذه الاتهامات مجرد ادعاءات مرسلة، بل كانت مدعومة بأدلة تقنية ولقطات شاشة كشفت الوجه المظلم والمختبئ خلف قناع المثقف الهادئ، وهو ما وضع القضية في بؤرة اهتمام الرأي العام المصري، محولةً إياها من مجرد "تريند" عابر إلى ملف جنائي متكامل الأركان استدعى تدخلاً فورياً وحاسماً من الأجهزة الأمنية والنيابة العامة.

وعندما داهمت السلطات عالم طاهر الخاص، لم تجد نفسها أمام متحرش تقليدي، بل أمام ملف معقد يصطدم بمواد قانون مكافحة الاتجار بالبشر، نظراً لاستخدامه سلطته الأدبية والتقنية في استغلال قاصرات وإخضاعهن لإرادته بوسائل قسرية.

وقد أسفرت التحقيقات عن العثور على مواد فنية وأدلة رقمية داخل أجهزته الإلكترونية عززت من روايات المجني عليهن، لتنتهي فصول المراوغة بالقبض عليه وإحالته إلى محكمة الجنايات. إن هذه القضية برمتها تظل درساً قاسياً حول أهمية الوعي الرقمي وضرورة فحص المصداقية الأخلاقية لمن يتصدرون المشهد العام، مؤكدة أن شجاعة الضحايا كانت هي السد المنيع الذي أوقف مسيرة استغلال بدأت بالكلمة وانتهت في قفص الاتهام.