تمكين بلا توازن: فجوة صامتة تهدد استقرار الأسرة والمجتمع

القوامة في معناها الأصيل لا تعني الهيمنة أو التفوق القسري، بل تقوم على العدل وتحمل المسؤولية والقدرة على القيادة الأخلاقية للأسرة

تقدمت سياسات تمكين المرأة في العالم العربي بخطى واضحة، لكن غياب مشروع موازٍ لإعادة بناء مفهوم الرجولة وتربية الذكور يترك فجوة صامتة قد تهدد استقرار الأسرة والمجتمع. الإصلاحات الاجتماعية لا تختل حين تتقدم، بل حين تتقدم في اتجاه واحد فقط.

شهد العالم العربي خلال العقدين الأخيرين تحولات واضحة في مسار تمكين المرأة. توسعت فرص التعليم والعمل، وارتفعت مشاركة النساء في المجال العام، وأصبح الحديث عن الاستقلال الاقتصادي والتمكين النفسي جزءًا من الخطاب التنموي والسياسي في كثير من الدول.

لكن التحولات الاجتماعية الكبرى لا تُقاس فقط بما تضيفه، بل أيضًا بما تتركه دون معالجة. فبينما تحركت السياسات بخطوات واضحة نحو تمكين المرأة، بقي سؤال تربية الذكور وإعادة تعريف الرجولة خارج دائرة الاهتمام المؤسسي. هذه الفجوة لا تظهر مباشرة في المؤشرات الرسمية، لكنها بدأت تتجلى تدريجيًا في طبيعة العلاقات الاجتماعية وفي قدرة الأفراد على التكيف مع التحولات المتسارعة.

القضية هنا لا تتعلق بالمفاضلة بين الرجل والمرأة، ولا بالطعن في ضرورة تمكين المرأة، بل بتوازن الإصلاح نفسه. فكل تحول اجتماعي لا يواكبه تحديث موازٍ في أنماط التنشئة قد يخلق فجوة بين التغيير القانوني والثقافي من جهة، والبنية النفسية والاجتماعية للأفراد من جهة أخرى.

فجوة غير مرئية في التنشئة

تشير دراسات علم النفس الاجتماعي إلى أن مهارات التعبير العاطفي والتنظيم الانفعالي تُكتسب منذ الطفولة، ويؤكد عالم النفس البرت باندورا أن الأطفال يتعلمون السلوك من خلال الملاحظة والنمذجة داخل البيئة الاجتماعية.
في كثير من المجتمعات العربية لا تزال صورة "الرجل القوي" مرتبطة بالكتمان والانضباط الصارم وتجنب إظهار الضعف. في المقابل، تُشجَّع الفتيات بدرجة أكبر على التعبير عن مشاعرهن وفهم ذواتهن. النتيجة ليست تفوقًا لطرف على آخر، بل تفاوت في أدوات التعامل مع الضغوط والتغيرات. ومع ارتفاع سقف التوقعات من الشراكة داخل الأسرة، يظهر هذا التفاوت بشكل أوضح. فالرجل لم يعد مطالبًا فقط بالإعالة المادية، بل بالحضور العاطفي والمشاركة في إدارة الحياة الأسرية، دون أن يكون قد تلقى بالضرورة تربية تؤهله لهذا الدور الجديد.

عندما يتغير معنى القوة

أعاد علم النفس الحديث تعريف القوة. لم تعد تعني السيطرة أو الهيمنة، بل القدرة على إدارة الانفعالات وبناء علاقات صحية وتحمل المسؤولية. ويشير الباحث في الذكاء العاطفي دانييل غولمان إلى أن النجاح الاجتماعي يرتبط بمهارات الوعي الذاتي والتنظيم الانفعالي بقدر ارتباطه بالكفاءة المعرفية.

لكن هذه المهارات، التي أصبحت جزءًا من خطاب تمكين المرأة، لا تزال أقل حضورًا في تربية كثير من الفتيان، الذين يتلقون رسائل اجتماعية تعلي من شأن التحمل الصامت باعتباره معيار الرجولة، المشكلة ليست في قيمة الصلابة، بل في اختزالها لتصبح التعريف الوحيد للقوة.

ضغوط جديدة على المرأة

على الجانب الآخر، لا يخلو مسار تمكين المرأة نفسه من تحديات. فالكثير من النساء اللواتي دخلن سوق العمل أو مواقع القيادة يواجهن معادلة مزدوجة: تحقيق النجاح المهني من جهة، والحفاظ على الأدوار الأسرية التقليدية من جهة أخرى.

هذا التداخل بين الأدوار قد يخلق ضغطًا اجتماعيًا مضاعفًا. ومع غياب تحول موازٍ في شخصية الرجل وتوزيع المسؤوليات داخل الأسرة، قد يتحول التمكين إلى مصدر توتر بدل أن يكون عامل استقرار.

نجاح تمكين المرأة لا يعتمد فقط على توسيع الفرص أمامها، بل أيضًا على قدرة البيئة الاجتماعية -وخاصة الذكورية - على التكيف مع هذه التحولات.

الرجولة في زمن الهوية المتغيرة

الرجولة ليست مجرد معطى بيولوجي، بل بناء ثقافي يتغير مع تغير السياق الاجتماعي. ويشير عالم الاجتماع انتوني غيدنز إلى أن الهوية في المجتمعات التقليدية كانت تُمنح عبر أدوار واضحة ومستقرة، بينما أصبحت في المجتمعات الحديثة مشروعًا مفتوحًا لإعادة التشكيل.

إن "الحداثة السائلة" جعلت الهويات أقل ثباتًا وأكثر عرضة للتحول كما يرى زيغمن باومن، لكن الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي يتطلب أن تتطور صورة الرجولة دون أن تفقد دورها التوازني داخل الأسرة. فالعلاقة بين الرجل والمرأة ليست صراعًا على القوة، بل تفاعل بين طاقتين مختلفتين في الطبيعة والوظيفة.

القوامة بين السلطة والمسؤولية

في الثقافة العربية والإسلامية ارتبط مفهوم القوامة تاريخيًا بمسؤولية الرجل عن رعاية الأسرة وإدارة شؤونها غير أن القوامة في معناها الأصيل لا تعني الهيمنة أو التفوق القسري، بل تقوم على العدل وتحمل المسؤولية والقدرة على القيادة الأخلاقية للأسرة.

ومع تطور تعليم المرأة وازدياد حضورها في المجال العام، تصبح هذه المسؤولية أكثر تعقيدًا. فالرجل لم يعد يقود الأسرة عبر السلطة التقليدية فقط، بل عبر النضج النفسي والقدرة على بناء شراكة متوازنة.

التربية.. الحلقة المفقودة

إذا كان تمكين المرأة قد أصبح جزءًا من السياسات العامة، فإن استقرار هذا التحول يتطلب مشروعًا تربويًا موازيًا يركز على إعداد الذكور نفسيًا واجتماعيًا.

ومن أبرز ملامح هذا المسار:

تعليم الفتيان مهارات التعبير العاطفي وفهم الذات

تدريبهم على إدارة الغضب وحل النزاعات

ترسيخ مفهوم الرجولة المرتبط بالمسؤولية والعدل

تقديم نماذج إعلامية لرجال يجمعون بين القوة والوعي

تعزيز فكرة التكامل بين الرجل والمرأة داخل الأسرة

بهذه الطريقة يصبح الرجل قادرًا على أداء دوره بثقة حتى في ظل تنامي قدرات المرأة ومكانتها الاجتماعية.

عندما يختل التوازن

الاختلال في التوازن التربوي لا يبقى حبيس النقاش النظري. فكثير من المجتمعات الحديثة تشهد اليوم مظاهر متزايدة من التفكك الأسري وارتفاع نسب الطلاق واتساع الفجوة بين الآباء والأبناء. ومع تراجع وضوح الأدوار داخل الأسرة، تصبح عملية التنشئة أكثر ارتباكًا، ما قد ينعكس في ضعف الروابط العائلية أو تنامي ظواهر مثل عقوق الأبناء أو بحث بعض الشباب عن هويات بديلة خارج الإطار الأسري التقليدي. هذه الظواهر لا يمكن فهمها بمعزل عن التحولات التي طرأت على مفهوم الرجولة والأنوثة داخل المجتمع. وفي هذه النقطة تحديدًا يتحول النقاش من مجرد سؤال ثقافي إلى سؤال سياسات عامة: كيف يمكن تحقيق التوازن بين تمكين المرأة وإعداد الرجل تربويًا ونفسيًا للمرحلة الاجتماعية الجديدة؟

الإصلاح الذي يكتمل

تمكين المرأة يظل خطوة ضرورية في مسار التطور الاجتماعي. لكن نجاح هذا المشروع يتطلب رؤية أشمل تعيد بناء مفهوم الرجولة تربويًا وثقافيًا. فالمجتمعات لا تستقر عبر سياسات جزئية، بل عبر توازن عميق بين الأدوار والطاقات الإنسانية داخل الأسرة.

السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كان تمكين المرأة ضرورة، بل ما إذا كانت المجتمعات مستعدة لاستكمال مشروعها عبر تطوير تربية الذكور بحيث تبقى العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة تكامل تحفظ الاستقرار الاجتماعي في زمن التحولات المتسارعة.

فالمجتمعات لا تختل حين تتغير أدوار النساء، بل حين تتغير هذه الأدوار دون أن يتغير معها إعداد الرجال لتحمل مسؤولياتهم في عالم جديد.