مدفع رمضان في سوريا صوت يدوّي بالفرح والذاكرة
دمشق – رغم صوته المدوي، ظلّ مدفع رمضان على امتداد عقود أحد أكثر الأصوات بهجة في الذاكرة السورية، إذ ارتبط لحظة الإفطار بمعانٍ روحية واجتماعية عميقة، وجسّد حضورا ثابتا في الطقوس الرمضانية قبل أن تتبدل دلالاته مع اندلاع الثورة السورية، حيث استُخدمت المدافع الحقيقية كأداة للقصف، محوّلة صوت الفرح إلى صوت رعب وخوف.
ويؤكد الباحث في التراث الشعبي محيي الدين قرنفلة لـوكالة الأنباء السورية "سانا"، أن فكرة إطلاق المدفع في رمضان تعود إلى مدينة القاهرة، أولى المدن الإسلامية التي عرفتها هذه العادة.
ويستند هذا الرأي إلى ما أورده المؤرخ المصري ابن تغري بردي عن حادثة وقعت في عهد السلطان المملوكي الظاهر خشقدم المؤيدي في القرن الخامس عشر، حين أُطلق مدفع جديد من قلعة الجبل عند الغروب على سبيل التجربة، فظن الناس أنه إعلان رسمي لموعد الإفطار، فاستحسنوا الفكرة واستمر العمل بها.
ووثّق المؤرخ الشعبي البديري الحلاق في كتابه حوادث دمشق اليومية سنة 1155هـ عادة ضرب مدافع الإثبات عند ثبوت هلال رمضان، وما رافق ذلك من حركة نشطة في الأسواق وفتح الدكاكين ليلا، وهو ما يعكس الدور الاجتماعي للمدفع في تنظيم الحياة اليومية خلال رمضان.
وأشار المؤرخ عمار محمد النهار، إلى أن مدفع رمضان ارتبط في دمشق بالعهد العثماني، إذ كان يُستخدم وسيلة دقيقة لإعلام الناس بدخول وقتي الإفطار والإمساك، وخاصة في مدينة واسعة متعددة الأحياء والأسواق.
وكان يُطلق غالبا من أماكن مرتفعة تضمن انتشار الصوت، مثل محيط قلعة دمشق أو سفوح جبل قاسيون، مما جعل صوت المدفع يصل إلى جميع أحياء المدينة، ويصبح جزءًا من ذاكرة المواطنين اليومية.
وتكشف دراسة النهار كيف تم توظيف التقنية العسكرية في سياق مدني احتفالي، حيث تحولت أداة حربية إلى وسيلة ذات بعد اجتماعي وروحي، فمدفع رمضان ليس مجرد تقليد شعبي، بل عنصر من عناصر التاريخ الاجتماعي للمدينة الإسلامية، وشاهد على تطور وسائل الإعلام التقليدية قبل العصر الحديث.
وأجرى مراسلون من وكالة "سانا" استطلاعا على مستوى المحافظات السورية لمعرفة شعور الأهالي تجاه المدفع، فتباينت الآراء بين الحنين والفرحة والاعتزاز بالتقاليد.
من دمشق، قال هيثم طباخة مؤسس البيت الدمشقي للتراث، "كنت أتجمع أنا وأصدقائي في حي الشاغور انتظارا لصوت المدفع، وفي لحظة الطلقة ترتسم على وجوهنا البسمة، ونرفع أكف الدعاء، فالصوت يرمز للفرحة ولثبوت دخول الشهر". وأضاف "هذه اللحظة كانت أكثر من مجرد موعد إفطار، كانت جزءا من تربيتنا وذكرياتنا الجميلة".
وأشار موفق عبادة إلى أن المدفع في حماة كان يُطلق من قلعة المدينة المشرفة على الأحياء كافة، "في زمن لم تكن فيه مكبرات الصوت، كان الاعتماد على المدفع أساسيًا لإعلام كل السكان، وخصوصًا في المناطق البعيدة، فكان مصدر سعادة وطمأنينة".
وذكر صبحي سليم من حمص أن المدفع المعروف باسم "الغضبان" كان يُطلق من ساحة "سهلة المدفع" قرب البلدة القديمة والروضة، وكان يشعل فتيله الموظف المسؤول عند رفع الراية الحمراء على مئذنة الجامع الكبير، لتنتشر سحابة الدخان وصوت المدفع في كل أرجاء المدينة.
ومن اللاذقية، وصف الأهالي المدفع المسمى "الطوب" بأنه جزء من هويتهم الرمضانية، "كان صوت المدفع يصل إلى معظم أحياء المدينة، في زمن لم تكن الكهرباء متاحة، وكان الأطفال يركضون في الشوارع فرحا، ويهللون مع كل طلقة"، وفق شهادة أحد السكان القدامى.
ومن درعا استذكر جميل قداح، "كان يُطلق المدفع عدة مرات متتالية لإثبات دخول الشهر، ليكون أولى إشارات بدء الصيام، ولنتأكد جميعا من ثبوت رمضان".
ويروي الحداد عبيدة علون أن الأهالي إدلب كانوا يتجمعون في الحواري والأزقة انتظارًا للصوت الذي يعلن نهاية يوم الصيام، لتعم الفرحة أرجاء المدينة.
وكان المدفع المتمركز فوق القلعة حلب يُطلق 23 طلقة عند رؤية هلال رمضان، و23 طلقة عند هلال شوال، مع طلقة عند الإفطار وأخرى في السحور، قبل أن يقتصر دوره لاحقًا على الإفطار مع استمرار تقليد المسحراتي.
وفي القامشلي، أوضحت دلال سليمان، "كانت ضربات مدفع السلام تتزامن مع ضحكات الأطفال وفرحة الأهالي بدخول الشهر، وكانت الطلقة الأولى دائما تبعث شعورًا بالأمان والاحتفال"، مضيفة أن هذا التقليد تراجع بعد اندلاع الثورة، لكنه ما زال حيا في الذاكرة الشعبية.
ومع تطور وسائل الاتصال ووسائل الإعلام الحديثة، تراجع الدور الوظيفي للمدفع كوسيلة إعلامية أساسية، لكنه احتفظ بمكانته الرمزية كأحد معالم الطقوس الرمضانية التقليدية. فهو يمثل، ذاكرة جماعية توثق تفاصيل الحياة الاجتماعية في الشهر الفضيل.
ورغم التحولات السياسية والاجتماعية، يرى الأهالي أن المدفع يظل رمزًا للفرح والأمل، وسجلًا حيًا لذكريات الطفولة، ووسيلة لترسيخ قيم المجتمع السوري المشترك.
ويبقى مدفع رمضان في سوريا أكثر من مجرد طلقة مدفع؛ إنه رمز للفرح والذكريات والهوية الجماعية، ويمثل تلاقي الدين، والتاريخ، والثقافة، والحياة اليومية. من دمشق إلى القامشلي، ومن حلب إلى اللاذقية، يعكس المدفع لحظة الانسجام الاجتماعي، ويعيد السوريين إلى طقوس رمضان التي تجمع بين الماضي والحاضر، بين الاحتفال والموروث الثقافي. وبين التغيرات السياسية والحروب، يظل المدفع شاهدًا حيًا على الذاكرة الشعبية السورية، وصرحًا من صروح الطقوس التقليدية التي ما زالت محفورة في الوجدان الجماعي.