مضيق هرمز يُبقي الأسواق على حافة القلق
لندن – يبقى مضيق هرمز العامل الأكثر تأثيرًا في مزاج أسواق الطاقة العالمية، حتى في ظل الهدنة المؤقتة بين واشنطن وطهران، والتي لم تنجح في تبديد المخاوف بشأن استمرارية تدفقات النفط، فالممر البحري الذي يمر عبره نحو خُمس الإمدادات العالمية، لا يزال يرزح تحت تهديدات مباشرة وغير مباشرة، سواء من القيود المفروضة على الملاحة أو من احتمالات التصعيد العسكري المفاجئ.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، فإن حالة عدم اليقين تظل العنوان الأبرز، حيث تتعامل الأسواق مع الهدنة باعتبارها إجراءً مؤقتًا لا يرقى إلى ضمان استقرار طويل الأمد. وتُظهر تحركات الأسعار أن المستثمرين لم يستبعدوا بعد سيناريو تعطل الإمدادات، خاصة مع استمرار التوترات الميدانية وتبادل الرسائل التصعيدية بين الأطراف المعنية.
كما أن تحفظ شركات الشحن على استئناف العبور الكامل في المضيق يعكس حجم القلق القائم، في ظل غياب ضمانات أمنية واضحة، رغم محاولات تنظيم حركة الملاحة وتحديد مسارات آمنة. ويضاف إلى ذلك المخاوف من استهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة، ما يعزز من علاوة المخاطر الجيوسياسية في تسعير النفط.
ويتحول مضيق هرمز إلى ما يشبه "مؤشر الخطر" للأسواق، حيث يكفي أي تطور أمني أو سياسي في محيطه لدفع الأسعار صعودًا أو هبوطًا بشكل حاد. وبين هدنة هشة وتوترات كامنة، يبقى هذا الشريان الحيوي عنصرًا حاسمًا في رسم اتجاهات سوق الطاقة العالمية.
وارتفعت أسعار النفط بنحو 4 بالمئة، اليوم الخميس، في ظل استمرار المخاوف بشأن إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط، رغم إعلان هدنة مؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران لمدة أسبوعين، ما يعكس هشاشة الوضع الجيوسياسي وعدم اطمئنان الأسواق إلى استقرار تدفقات النفط.
وبحلول الساعة 08:56 بتوقيت غرينتش، صعدت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 3.69 دولار لتصل إلى 98.44 دولارًا للبرميل، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 3.47 دولار مسجلًا 97.88 دولارًا للبرميل، بعد تراجعات حادة في الجلسة السابقة كانت مدفوعة بتفاؤل حذر بإمكانية إعادة فتح مضيق هرمز.
غير أن هذا التفاؤل لم يدم طويلًا، إذ سرعان ما عادت علاوة المخاطر الجيوسياسية لتفرض نفسها على السوق، في ظل غياب وضوح حقيقي بشأن مستقبل المفاوضات بين واشنطن وطهران، واحتمالات استمرار القيود على حركة الملاحة في المضيق الحيوي. ويُعد المضيق شريانًا رئيسيًا لتدفقات النفط العالمية، إذ تمر عبره نحو 20 بالمئة من الإمدادات القادمة من دول الخليج.
ويرى محللون أن الأسواق لا تزال مترددة في تسعير سيناريو الاستقرار، حيث أشارت فاندانا هاري، مؤسسة شركة 'فاندا إنسايتس'، إلى أن فرص إعادة فتح المضيق بشكل كامل في المدى القريب تبدو محدودة، مضيفة أن أسعار النفط كان يُفترض أن تعود إلى مستويات ما قبل التصعيد لو كانت الأسواق واثقة من استدامة وقف إطلاق النار.
وتأتي هذه التقديرات مع استمرار الضبابية الميدانية، إذ ألقت العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان بظلالها على مسار التهدئة، ما دفع إيران إلى التشكيك في جدوى المضي قدمًا في المفاوضات، فيما يعزز هذا التداخل بين المسارات العسكرية والسياسية من حالة عدم اليقين التي تهيمن على السوق.
ولا تزال شركات الشحن متحفظة بشأن استئناف المرور عبر مضيق هرمز، مطالبة بمزيد من الوضوح حول شروط الهدنة وضمانات السلامة. وذكرت تقارير أن إيران أصدرت إرشادات ملاحية لتوجيه السفن وتفادي الألغام، مع تحديد مسارات آمنة بالتنسيق مع الحرس الثوري، في محاولة لاحتواء المخاطر دون رفعها بالكامل.
وفي تطور يزيد من قلق الأسواق، أفادت مصادر في قطاع الطاقة بأن البنية التحتية النفطية في المنطقة لا تزال عرضة للتهديد، بعد استهداف مواقع في دول خليجية، بما في ذلك خط أنابيب في المملكة العربية السعودية يُستخدم لتجاوز المضيق. كما أعلنت كل من الكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة تعرضها لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة.
وتظهر تحركات أسعار النفط واقعًا معقدًا، حيث تتأرجح الأسواق بين آمال التهدئة ومخاوف التصعيد. وبينما توفر الهدنة متنفسًا مؤقتًا، فإن استمرار التوترات والتهديدات للإمدادات يبقيان الأسعار رهينة للتطورات السياسية والعسكرية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية للطاقة.