مقال الشرع.. المسألة الكردية في سوريا مستوردة

الدولة السورية، بنصوصها الدستورية المتعاقبة، قامت على مبدأ المواطنة، لا المحاصصة، وعلى وحدة الأرض والشعب، لا الفيدراليات الإثنية، وأي خروج عن هذا المسار لا يخدم المواطنون السوريون ذوو الأصل الكردي، بل يخدم فقط مشاريع النفوذ الخارجية.

في بلدان الشرق الأوسط، كثيراً ما تتحول المصطلحات إلى حقائق سياسية بمجرد تكرارها، حتى لو كانت جذورها هشة أو سياقاتها ملتبسة، رغم أنها تخلق طبقات إضافية من الالتباس، ومن هذه الزاوية، يفكك الخبير الاقتصادي والسياسي الأستاذ حسين الشرع، والد الرئيس السوري أحمد الشرع، في مقاله المنشور في مجلة (المجلة) السعودية، بطريقة واضحة ومتماسكة وهادئة فكرة ما يسمى بـ(المسألة الكردية) في سوريا، بوصفها مسألة طارئة ومستوردة أكثر مما هي نتاج تاريخي سوري أصيل.
في قراءة التاريخ السوري، بعيداً عن الهياج الشوفيني الآني والآتي من خارج الحدود، تجد وبسهولة حقيقة أساسية أن سوريا لم تكن يوماً دولة إثنيات متقابلة، بل فضاء حضارياً مفتوحاً، تشكلت فيه الهوية الوطنية من الانصهار لا من الفرز، ومن الثقافة لا من العرق.
وحين نستعرض التاريخ السوري منذ العهد العثماني مروراً بفترة الثورة العربية الكبرى والمملكة السورية والانتداب الفرنسي، ثم مرحلة الاستقلال وبناء الدولة، لا نجد أي أثر لنزاع قومي عربي–كردي، ولا لمطلب انفصالي كردي، بل على العكس تماماً، نجد شخصيات من أصول كردية كانت في قلب المشروع الوطني السوري والعروبي، لا على هامشه.
وإبراهيم هنانو نموذجاً، حيث لم يكن "استثناءً كردياً" في ثورة عربية، بل كان تجسيداً لحقيقة أعمق: أن الانتماء في سوريا كان ولا يزال انتماءً سياسياً وثقافياً وحضارياً لا إثنياً.. وكذلك الأمر مع محمد كرد علي، ومحسن البرازي، وحسني الزعيم، وأحد أحفاده واسمه حسني أيضاً صديقي منذ اثنين وعشرين عاماً، ولم أسمع منه يوماً أنه كردي الأصل بل سوري أصيل، وغيرهم من الأسماء التي لم تُعرف نفسها يوماً عبر الأصل، بل عبر الدور.
وهنا تكمن نقطة القوة المركزية في مقال السيد الشرع، في تفكيك وهم الهوية العرقية، وإظهار كيف أن العروبة في سوريا كانت إطاراً جامعاً، لا مشروع إقصاء.
العروبة، كما يثبتها السيد حسين الشرع، ليست دماً ولا سلالة، بل لغة، وثقافة، وخيار حضاري، وهذا الفهم هو ما سمح تاريخياً للكرد، والتركمان، والشركس، وغيرهم، بأن يكونوا جزءاً من الدولة والمجتمع، لا مكونات تبحث عن حصص، ولهذا السبب تحديداً، لم تظهر في سوريا حتى ستينيات القرن العشرين أي حركة كردية انفصالية حقيقية، بخلاف ما حدث في العراق أو تركيا أو إيران، حيث تضافرت الجغرافيا الجبلية، والتدخل الأجنبي، والصراع مع الدولة المركزية، لإنتاج مسألة قومية.
أما ما يسمى اليوم بالمسألة الكردية في سوريا فهي ليس نتاج تراكم اجتماعي داخلي، بل نتيجة مصالح إقليمية ودولية، استثمرت في لحظة انهيار الدولة بعد 2011، وشكلت مشروعاً مشوهاً على أرض لا تشبهه ديمغرافياً ولا تاريخياً.
وهنا يقدم السيد الشرع في مقاله طرحاً بالغ الأهمية: التمييز بين الكرد السوريين بوصفهم مواطنين، وبين تنظيمات مسلحة ذات مرجعية وولاء خارجي، كدليل حي على أن الإشكالية ليست كردية سورية، بل مشروع سياسي وعسكري واقتصادي غير سوري.
إذن.. القضية في جوهرها، ليست إنكار وجود الكرد في سوريا، ولا التقليل من مظلوميات وقعت، بل رفض تحويل تلك الأخطاء إلى مشروع تفكيك للدولة، أو إلى ذريعة لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية، خدمة لمصالح غير سورية.
إن الدولة السورية، بنصوصها الدستورية المتعاقبة، قامت على مبدأ المواطنة، لا المحاصصة، وعلى وحدة الأرض والشعب، لا الفيدراليات الإثنية، وأي خروج عن هذا المسار لا يخدم المواطنون السوريون ذوو الأصل الكردي، بل يخدم فقط مشاريع النفوذ الخارجية.
خلاصة القول، وما يؤكده مقال السيد الشرع بوضوح، هو إعادة وضع النقاش في مكانه الصحيح: إن ليس في سوريا مسألة كردية بالمعنى السياسي–القومي المتعارف عليه، بل هناك سوريون من أصول كردية كانوا ولا يزالون جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني والعروبي.
أما ما طفا على السطح في السنوات الأخيرة، فليس تعبيراً عن تاريخ مكبوت، بل عن لحظة فوضى جرى استثمارها، وستنحسر بانحسار شروطها.
إن سوريا، كما كانت عبر تاريخها الطويل، ليست مجموعة هويات متضادة، بل هوية حضارية واحدة، تتسع للجميع، أما أولئك غير السوريين، الذين يعملون على تأجيج الداخل السوري وتمزيق نسيجه الاجتماعي، والتحريض على التقسيم، والدفع نحو الفوضى، وبث خطاب الكراهية، فيجب أن يُخاطَبوا بلغة واضحة لا تحتمل التأويل: ما تفعلونه ليس تعبيراً سياسياً، ولا نضالاً قومياً، بل تحريض سافر على دولة عربية، ولعب بالنار من مسافة مريحة.. فسوريا، ورغم ما تركه الأسد من خراب، ليست دولة فاشلة تبحث عن وصي، ولا مجتمعاً هشاً ينتظر من يعبث بتوازناته، وعندما تستعيد عافيتها الكاملة، سوف تفتح دفاتر الحساب دفاعاً عن وجودها، والتاريخ لا يرحم أولئك الذين أشعلوا الحرائق ثم وقفوا يتفرجون عليها من بعيد.