من دولة القمع إلى دولة المواطنة، رحلة اللاجئين نحو الاندماج

الاندماج في الدنمارك ليس أزمة ثقافة أو دين، بل أزمة فهم الدولة ومؤسساتها.

في خضم الحملة الانتخابية الدنماركية، تعود قضية اللاجئين والاندماج إلى واجهة النقاش السياسي بثقل لافت، وكأنها تُصوَّر باعتبارها إحدى المشكلات الجوهرية للبلاد. تميل معظم الأحزاب إلى تفسير نجاح الاندماج أو إخفاقه من خلال عوامل ثقافية أو دينية أو عرقية، وكأن هذه العوامل هي المحدد الحاسم في المسألة.

لا شك أن للعوامل الدينية والثقافية أثراً في بعض جوانب الاندماج، غير أن هذا الأثر يبقى محدوداً ولا يكفي لتفسير الظاهرة في جوهرها.

يدور النقاش، ولا سيما في أوساط أحزاب اليمين -الكتلة الزرقاء- وحتى في بعض الأوساط المحسوبة على اليسار -الكتلة الحمراء-، حول اللغة واللباس والقيم الدينية، وأحياناً حول ما يُسمى بالثقافة.

إلا أن هذا التركيز الضيق يحجب العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الأعمق، ويُحيل قضية بالغة التعقيد إلى شعار انتخابي مبسّط وهو في جوهره نقاش يخدم أجندة انتخابية تحتاج إلى خطر واضح المعالم، أكثر مما تسعى إلى فهم المشكلة أو تقديم حلول واقعية.

فعوضاً عن التعامل مع الاندماج بوصفه مساراً اجتماعياً وتاريخياً معقداً، يجري اختزاله في شعارات ثقافية مبسّطة تُوظَّف لإثارة الخوف وحشد الناخبين، مع ما قد يترتب على ذلك من أثر سلبي في مسيرة الاندماج ذاتها، بل إن بعض هذه الخطابات تتجاوز القيم الحقوقية التي كفلها الدستور الدنماركي والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

لكن نادرا ما يطرح سؤال أكثر عمقا في النقاش العام: كيف ينظر اللاجئون واللاجئات أنفسهم إلى مفهوم الدولة؟

الدولة كما عرفوها: قمع لا خدمة

كثير من اللاجئين واللاجئات القادمين من الشرق الأوسط وبعض مناطق آسيا وأفريقيا عاشوا معظم حياتهم في ظل دول استبدادية. بالنسبة لهم لم تكن الدولة مؤسسة عامة تخدم المجتمع، بل جهاز سلطة قمعي. كانت الدولة في تجاربهم اليومية مرتبطة بالفساد والرشوة والأجهزة الأمنية والبيروقراطية غير الخاضعة للمساءلة. غالباً ما كانت الدولة غير منتخبة، وتتعامل مع الناس باعتبارهم رعايا لا أصحاب حقوق.

في مثل هذه الأنظمة يصبح من الطبيعي أن يحاول الناس الالتفاف على الدولة بدل التعاون معها. يتجنبون دفع الضرائب، ويبحثون عن طرق غير رسمية لإنجاز المعاملات. هذه ليست مسألة ثقافة بالمعنى البسيط، نتيجة تجربة تاريخية طويلة لأجيال مع دولة لا يمكن الوثوق بها، دولة تقمع المجتمع بدل أن تخدمه. وهي في كثير من الحالات دول قامت على تحالف بين السلطة السياسية والنخب الرأسمالية، وتلقّت في أحيان كثيرة دعماً سياسياً وعسكرياً من قوى غربية بحجة الاستقرار، بينما كانت تسحق المجتمع وتمنع أي تنظيم ديمقراطي أو عمالي مستقل.

الدنمارك: نموذج لم يعرفوه من قبل

عندما يصل هؤلاء اللاجئون واللاجئات إلى الدنمارك يواجهون نموذجاً مختلفاً تماماً، فرغم أن الدولة الحديثة تبقى في النهاية جزءاً من بنية اجتماعية طبقية داخل النظام الرأسمالي، فإنها في الدنمارك تقوم على مؤسسات ديمقراطية وانتخابات حرة وشفافية عالية نسبياً وقواعد قانونية تطبق على الجميع، والتعليم المجاني نظام الضمان الاجتماعي وحقوق العمال.

هذا النموذج لم يظهر تلقائياً، بل هو نتيجة تاريخ طويل من نضالات الحركة العمالية والنقابات والحركات اليسارية التي استطاعت عبر التنظيم النقابي والعمل السياسي فرض منظومة واسعة من الحقوق الاجتماعية.

كما تقوم هذه الدولة على منظومة قانونية تستند إلى مبادئ حقوق الإنسان، بما في ذلك المساواة بين النساء والرجال، وحماية حقوق الأطفال، وحق جميع المواطنين والمواطنات في التعليم والرعاية الصحية والكرامة الإنسانية.

الغالبية العظمى من اللاجئين واللاجئات تتكيف تدريجياً مع هذا النموذج. يتعلمون الثقة بالمؤسسات، يدخلون سوق العمل، يدفعون الضرائب، ويشاركون في المجتمع. لكن هناك أقلية صغيرة تبقى أسيرة التجربة القديمة مع الدولة، تتعامل مع النظام كما كانت تفعل في بلدها السابق، من عمل غير رسمي أو محاولة تجاوز القوانين أو الاعتماد على شبكات غير رسمية.

سياسات الاندماج وفهم الدولة

غالباً ما يُفسَّر تعثر الاندماج في النقاش السياسي بوصفه مشكلة ثقافية أو دينية. التفسير الأكثر واقعية هو أنه في كثير من الحالات مسألة انتقال من تصوّر معين للدولة إلى تصوّر مختلف تماماً، فالقادمون من تجارب استبدادية يحتاجون وقتاً لفهم أن العلاقة بين المجتمع والدولة في الدنمارك تقوم على قواعد مختلفة.

سياسات الاندماج الدنماركية الراهنة لا تعالج هذا البعد الجوهري بشكل كافٍ، فبدلاً من التركيز على شرح طبيعة مؤسسات الدولة، تراكمت تحت ضغط اليمين واليمين المتطرف سياسات اتجهت نحو تشديد القوانين وتوسيع الاختبارات القيمية وفرض قيود متزايدة على الإقامة وبعض الحقوق الاجتماعية. سياسات تنطلق من افتراض مسبق بأن اللاجئ مشكلة كبيرة ينبغي احتواؤها، لا إنسان يحمل تجربة تاريخية معقدة تحتاج إلى الفهم.

هذا النهج لا يفشل فقط في تحقيق الاندماج، قد يعزز لدى بعض اللاجئين الصورة القديمة عن الدولة كجهة عدائية. في المقابل يحتاج الاندماج الحقيقي إلى شرح واضح لكيفية عمل مؤسسات الدولة، والعلاقة بين الضرائب والخدمات العامة، ودور النقابات وقوانين العمل في حماية العاملين.

من المهم أيضاً توضيح مفهوم العمل الأسود والتهرب الضريبي والتحايل على القوانين، ففي الأنظمة الاستبدادية قد يرى الناس التحايل على الدولة شكلاً من أشكال الدفاع عن النفس. أما في مجتمع يقوم على مؤسسات عامة مشتركة فإن هذه الممارسات تضعف الثقة المتبادلة وتقلّص الموارد التي يعتمد عليها التعليم والصحة والخدمات العامة التي يستفيد منها الجميع.

الاندماج الحقيقي: تجربة اجتماعية ومسؤولية مشتركة

لهذا السبب يمكن لسياسات الاندماج أن تشمل أمثلة عملية ومباشرة، كشرح كيفية تمويل المدارس والمستشفيات من الضرائب، وكيف يحصل العامل أو العاملة على حقوقهم عبر عقود العمل الرسمية والنقابات، وكيف تحمي القوانين العاملين والعاملات عندما يكون العمل مسجلاً. كما يمكن تعزيز هذا الفهم عبر تشجيع مشاركة اللاجئين واللاجئات في الحياة السياسية والمدنية والنقابية، وفي الجمعيات المحلية والأنشطة المجتمعية.

لكن الاندماج لا يتعلق بسياسات الدولة وحدها، إذ يقوم أيضاً على مسؤولية مشتركة، فكما أن على المجتمع المضيف ومؤسساته شرح طبيعة الدولة وقواعدها، فإن القلة القليلة من اللاجئين واللاجئات الذين لا يزالون ينظرون إلى الدولة بمقياس تجاربهم السابقة في حاجة إلى إعادة نظر حقيقية في هذه الصورة وتصحيحها.

وهذا الفارق الجوهري تحديداً هو ما تحتاج تلك القلة إلى استيعابه، إذ إن احترام القوانين وتسجيل العمل ودفع الضرائب والتعامل مع المؤسسات العامة بشفافية ليست مجرد التزامات قانونية، تمثل أيضاً شكلاً من أشكال المشاركة في نظام تضامن اجتماعي تشكّل عبر عقود طويلة من نضال العمال والعاملات والحركات النقابية والاجتماعية. لأن مثل هذا التفاعل المتبادل يسهم في تعميق الاندماج وبناء ثقة متبادلة أكبر بين المجتمع الدنماركي والوافدين الجدد ويسهل ويسرع من عملية الاندماج.