نوروز القلق...حين يتحوّل العيد إلى مأزق للدولة واختبار للمجتمع

العام الجديد سيحمل تغيّرات حتميّة ليس لإيران وحدها، بل لباقي المجتمعات التي ارتبط مصيرها بها، بانتظار لحظة تحوّل قد لا تأتي بالربيع الموعود، لكنها حتماً ستغير وجه المنطقة إلى الأبد.

​لا يحلّ العام الجديد في إيران بوصفه محطة احتفالية عابرة، بل كخطّ فاصل يكشف الفجوة المتسعة بين مجتمع يركض نحو المستقبل بسرعة الضوء، ونظام يراهن بكل ثقله على إبطاء حركة الزمن. لم يعد العيد في الوجدان الإيراني المعاصر مجرد لحظة تجدد طبيعية، بقدر ما أصبح مؤشرًا على حالة استعصاء سياسي وبنيوي عميق، حيث تتراكم الأزمات فوق بعضها البعض دون أن تجد طريقاً للنفاذ أو الحل، مما حوّل "نوروز" من عيد للربيع إلى وقفة تأمل قلقة في مصير دولة تبدو وكأنها تعيش في منطقة رمادية بين الوجود والعدم السياسي.

​لقد دخلت إيران منذ عام 2022 مرحلة نوعية لا يمكن اختزالها بمنطق الاحتجاجات التقليدية أو المطالب المعيشية العابرة، فما حدث لم يكن انفجاراً اجتماعياً طارئاً، بل كان تحوّلاً جذرياً في وعي المجتمع الإيراني، وبخاصة الجيل الذي وُلد في كنف الثورة لكنه شبّ على قيم العصر الرقمي.

هذا الجيل لا يعيش ضمن حدود الجغرافيا السياسية التقليدية للدولة، بل يتحرك في فضاء مفتوح يعيد فيه تعريف مفاهيم الحرية والسلطة والانتماء، وهو لا يواجه النظام بوسائل المواجهة الكلاسيكية، بل يُفرغ أدوات السيطرة من فعاليتها تدريجياً عبر تجاهل السرديات الرسمية وخلق عوالمه الموازية، مما حوّل القبضة الأمنية من مصدر قوة إلى عبء استراتيجي يستنزف شرعية الدولة يوماً بعد يوم.

​لكن الصدع الأعمق لا يتوقف عند حدود الشارع، بل يتسلل إلى قلب النظام الذي لطالما قدّم نفسه ككتلة صخرية صلبة، حيث باتت مراكز القرار تشهد تباينات صامتة حول كيفية إدارة هذه المرحلة المفصلية. وبينما يدفع تيار نحو التشدد المطلق باعتباره الضمانة الوحيدة للاستمرار، يدرك تيار آخر أن هذا النهج يسرّع من وتيرة استنزاف الدولة وتقويض أسس بقائها.

وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً مع اقتراب استحقاق الخلافة الحتمي، الذي يحوّل موقع القمة من رمز للاستمرارية إلى نقطة ارتكاز محتملة لإعادة توزيع القوى، مما يجعل أي انتقال مرتقب للسلطة محفوفاً بالمخاطر في ظل غياب إجماع وطني أو حتى توافق داخلي صلب.

أمّا على المستوى الاقتصادي والجيوسياسي، لم تعد العقوبات أو التمدد الإقليمي مجرد ملفات خارجية، بل تحولت إلى بنية داخلية تضغط على أعصاب المجتمع، فالتضخم وتراجع العملة ليسا مجرد أرقام، بل هما عاملان يعيدان تشكيل المزاج العام ويقوّضان قدرة الدولة على الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن الاجتماعي. وفي الوقت الذي تسعى فيه طهران لتثبيت نفوذها كقوة إقليمية كبرى، تجد نفسها منخرطة في شبكة توترات دولية تجعل من كل تحرّك مغامرة مفتوحة على احتمالات الصدام.

إنّ هذا التأجيل المستمر للمواجهات الكبرى والحلول الجذرية هو جوهر اللحظة الإيرانية الراهنة، فالدولة لا تنهار لكنها لا تتجدد، والمجتمع لا يستسلم لكنه لا يفرض التغيير الشامل بعد، وبين هذا وذاك يتآكل الزمن السياسي وتتحول إيران إلى دولة مؤجلة، تقف في تلك المنطقة الوعرة حيث كل شيء ينتظر لحظة التحوّل التي تقترب ببطء.

​هذا الترقب الثقيل لا يتوقف عند حدود الهضبة الإيرانية، بل يمتد بظلاله الحادة إلى ساحات النفوذ الإقليمي، وعلى رأسها لبنان الذي يجد نفسه اليوم، أكثر من أي وقت مضى، رهينة لهذا الانتظار الإيراني الكبير، فبينما تترقب طهران مخاضها الداخلي، يبقى المشهد اللبناني معلقاً على حبال إدارة الصراع والمقايضات الكبرى، حيث تتحول الأزمات المحلية إلى أوراق ضغط في بازار التوازنات الإقليمية.

فالعام الجديد سيحمل تغيّرات حتميّة ليس لإيران وحدها، بل لباقي المجتمعات التي ارتبط مصيرها بها، بانتظار لحظة تحوّل قد لا تأتي بالربيع الموعود، لكنها حتماً ستغير وجه المنطقة إلى الأبد.