هل يفقد مضيق هرمز قيمته؟ درس المماليك الذي يتكرر
التاريخ لا يُعاد بمدافع تُطلق، بل بطرق تُستبدل. فحين أبحر فاسكو دا غاما حول رأس الرجاء الصالح في نهاية القرن الخامس عشر، لم يكن يكتشف طريقاً بحرياً فحسب، إنّما كان يؤسس لانقلاب اقتصادي أطاح بنظام كامل، فدولة المماليك التي احتكرت دور الوسيط بين الشرق والغرب لقرون، لم تسقط فجأة تحت ضربات السيوف، ولكنّها بدأت بالانهيار حين فقدت موقعها في شبكة التجارة العالمية، قبل أن تُستكمل نهايتها عسكرياً في معركة مرج دابق.
إنّ هذا الدرس لا يعود اليوم كقصّة تاريخية، انّما كتحذير استراتيجي يطفو فوق مياه مضيق هرمز، فالممر الذي شكّل لعقود أحد أهم شرايين الطاقة في العالم وورقة ضغط مركزية في يد طهران، لم يعد يتمتع بالحصانة ذاتها في عالم بدأ يضيق ذرعاً بابتزاز الجغرافيا، فبالرغم من أنه يمثل أحد أهم شرايين التجارة العالمية، إذ يمر عبره نحو 11 في المئة من التجارة العالمية، وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، وما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من النفط (حوالي 20 مليون برميل يومياً)، إضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، لكن هذه الأهمية نفسها حوّلته إلى نقطة هشاشة عالمية، لا إلى مصدر قوة مستدامة.
غير أن التهديد الذي تلوّح به إيران باستمرار إغلاق هرمز لم يعد يردع بقدر ما يدفع نحو الهروب منه، ومحاولة إيجاد بديل عنه، فالتصعيد في البحر الأحمر، والتوترات عند باب المندب، والحرب في غزة، لم تؤدِ فقط إلى رفع كلفة التأمين والشحن، انّما سرّعت تفكيراً دولياً جدياً.
ومن هنا لا يبدو مشروع الممر الاقتصادي الهندي–الأوروبي مجرد مبادرة بنى تحتية، انّما تعبيراً عن إرادة سياسية غربية بقيادة الولايات المتحدة لإعادة رسم خرائط التجارة بعيداً عن نقاط الاختناق التقليدية، فالمشروع، وإن كان لا يزال في طور التبلور، يسعى إلى تقليل الاعتماد على ممرات مثل هرمز وقناة السويس، عبر ربط الهند بأوروبا بشبكة متعددة الوسائط تمر بالخليج ثم بلاد الشام. إنه ببساطة عبارة عن محاولة لصناعة جغرافيا بديلة.
غير أنّ الأخطر من المشاريع الدولية، هو ما تفعله دول المنطقة نفسها. فالإمارات لم تنتظر التهديدات، بل استثمرت في ميناء الفجيرة وخط أنابيب حبشان–الفجيرة، لتأمين منفذ نفطي يتجاوز هرمز بالكامل. امّا السعودية، تعمل على تحويل موانئ البحر الأحمر إلى مراكز لوجستية كبرى مرتبطة بعمقها الخليجي عبر شبكة سكك حديدية عابرة وذلك ضمن خطة تمتد حتى العام 2030 هذه ليست مشاريع تنموية فقط، بل إعلان غير مباشر بأن الاعتماد على هرمز لم يعد خياراً آمناً حتى بالنسبة لحلفائه.
وفي المقابل، تمضي الصين عبر مبادرة الحزام والطريق في بناء شبكة طرق بديلة برية وبحرية، تجعل من أي ممر قابل للاستبدال، فبكين لا تتعامل مع هرمز كقدر جغرافي، إنّما كعقدة يمكن تجاوزها. وهنا تحديداً يتقاطع المشروع الصيني مع الرغبة الغربية، فرغم التنافس المعروف بينهما، كلاهما يعمل بطريقته، على تقويض احتكار الممرات الضيقة.
وما يجري اليوم هو انتقال في مفهوم القوة ذاته، لم تعد القوة في القدرة على إغلاق الممرات، بل في القدرة على جعلها غير ضرورية. وهذا التحول يضع دولاً مثل إيران أمام معادلة معاكسة، فكلما زادت التهديدات، كلما تسارعت البدائل وكلما ارتفعت قيمة الورقة الجغرافية سياسياً، تآكلت اقتصادياً.
فالتاريخ هنا لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه يعيد منطقه. المماليك لم يدركوا أن العالم بدأ يتجاوزهم إلا بعد فوات الأوان. والتحدي الأكبر اليوم ليس إغلاق مضيق هرمز، بل في أن يُصبح غير ذي قيمة وإمكانية استبداله والعيش من دونه.
وهنا تصبح الجغرافيا التي كانت مصدر قوة الى عبئاً وتتحول الممرات التي بُنيت عليها استراتيجيات الدول إلى خطوط مهجورة، ممّا يجعل القوى التي راهنت على موقعها تدرك أن التجارة كما التاريخ لا تنتظر أحداً.