هل ينجح رجل الأرقام في تفكيك لغز السلاح والفساد؟
يقف العراق اليوم في عين العاصفة محاصراً بين إرث ثقيل من الصراعات البينية وواقع دولي لا يرحم الضعفاء. إن المشهد العراقي الراهن هو نتاج سنوات من التآكل في جسد الدولة حيث تحولت اللعبة السياسية إلى صراع صفري على النفوذ مما ولد حالة من الانسداد التاريخي دفعت بالقوى الدولية والإقليمية إلى وضع فيتوهات حاسمة ومشددة على الوجوه التقليدية.
ومن المهم هنا توضيح أن هذه الفيتوهات لم تكن انتقاصاً من قدر الأشخاص أو كفاءتهم بل لأن المرحلة الراهنة تطلبت إحداثيات مختلفة تتناسب مع حجم المنافسة المحتدمة بين القوى الخارجية التي تضع استقرار العراق ضمن أولوياتها الاستراتيجية.
لقد وصل العراق إلى نقطة لا يمكن فيها فرض مرشح يمثل لوناً واحداً مما ولّد حاجة ماسة لشخصية المنطقة الوسطى التي تستطيع التحرك في حقل ألغام المصالح الدولية. ومن هنا يبرز تكليف السيد علي الزيدي كخيار استراتيجي فرضته ضرورة التهدئة والبحث عن لغة مشتركة مع النظام الدولي الجديد.
إن فهم شخصية الزيدي هو المفتاح لفهم سبب وقوع الاختيار عليه فهو يمثل نموذج التكنوقراط السيادي الذي يجمع بين هدوء المصرفي وحزم رجل الدولة. الزيدي ليس قادماً من الخطوط الأيديولوجية المتصادمة بل هو شخصية براغماتية تؤمن بأن الاقتصاد هو المحرك الفعلي للسياسة.
إن جاذبية شخصيته تكمن في قدرته على تقديم نفسه كرجل حلول لا رجل أزمات فهو يمتلك العقلية التي تبحث عن النتائج الملموسة وهي السمة التي جعلته البروفايل الأكثر قبولاً لدى إدارة الرئيس دونالد ترامب الباحثة عن رجل صفقات يضمن استقرار الاستثمار.
الزيدي يمتلك مرونة تكتيكية تسمح له بالتحاور مع طهران وواشنطن بلغة المصالح المتبادلة مما يجعله صمام أمان يمنع انفجار الصراعات الإقليمية فوق الأراضي العراقية.
ومع ذلك فإن هذا القبول الدولي ليس شيكاً على بياض بل هو مشروط بجدول زمني صارم إذ تترقب الدوائر العالمية اختبار الـ100 يوم الأولى لحكومة الزيدي، هذه المدة لن تكون فترة سماح تقليدية بل ستكون بارومتر لقياس مدى قدرته على الانتقال من لغة الوعود إلى لغة التنفيذ.
إن العالم يراقب هل سيتمكن الزيدي في أول 100 يوم من وضع حجر الأساس لتفكيك لغز السلاح والفساد؟ إن وضع العراق على مشرحة التغيير يكشف عن أرقام مرعبة فالعراق يواجه سلاحاً منفلتاً يقدر بـ 7.5 إلى 9 ملايين قطعة خارج سيطرة الدولة وفساداً التهم أكثر من 450 مليار دولار منذ عام 2003، هنا تبرز عبقرية الزيدي رجل الأرقام في إدراك أن المواجهة تبدأ من تجفيف منابع التمويل عبر الرقمنة المالية، إن أي تأخير في إطلاق خطوات ملموسة نحو الأتمتة المالية في الـ100 يوم الأولى سيعطي إشارة سلبية للمجتمع الدولي بأن رجل الأرقام قد استسلم لضغوط رجال السلاح.
وفي هذا المشهد تبرز حكمة قيادة إقليم كردستان كصمام أمان، إن موقف السيد نيجيرفان بارزاني والسيد مسرور بارزاني المتمثل في التهنئة والدعم يبعث برسالة جوهرية مفادها أن الحكمة السياسية لا تُقاس بالضجيج بل بالهدوء الاستراتيجي. لقد أثبتت أربيل أنها النموذج الذي يجب أن يستلهم منه الزيدي رؤيته فما حققه الإقليم من ريادة في السيادة الرقمية عبر نظام ئي-بەسووله (e-Psûle) أو الوصل الالكتروني، هو المختبر الحقيقي لتجفيف منابع الفساد. إن نجاح الزيدي في ملفات كبرى مثل الممر الأوسط لا يمكن أن يتحقق دون شراكة كاملة مع أربيل فالاستقرار في كردستان هو الضمانة الوحيدة لجعل العراق ممراً تجارياً عالمياً يربط آسيا بأوروبا وهو مشروع قد يدر أرباحاً هائلة سنوياً.
إن الـ100 يوم الأولى يجب أن تشهد تحركاً جدياً نحو حل العقدة الكبرى قانون النفط والغاز. الزيدي اليوم أمام فرصة تاريخية لإنهاء هذا الملف عبر الحوار الدستوري المنتج بعيداً عن سياسات اللي الذراع، إن العالم ينتظر منه في هذه الفترة القصيرة ملامح عقد مالي جديد يضمن حقوق الإقليم ويصون ثروات العراق.
ختاماً نتوجه بكلمة مباشرة ومسؤولة للسيد الزيدي إن يد أربيل التي امتدت بالتهنئة هي يد تؤمن بأن مستقبل العراق يكمن في وحدة المصير تحت سقف القانون وهي رسالة تؤكد أن إقليم كردستان القوي يعني عراقاً أقوى.
إن الـ100 يوم القادمة ستحدد ما إذا كان الزيدي سيكمل المسار كرجل دولة يفي بعهوده الدستورية أم سيغرق في رمال بغداد السياسية المتحركة. يجب أن يكون واضحاً أن الاستقرار الحقيقي هو عقد مشروط بالالتزام الكامل بدستور عام 2005 الذي كُتب كضمانة ضد التهميش.
إن تنفيذ الاستحقاقات الدستورية للإقليم وحماية حقوقه المالية والقانونية هي الاختبار الحقيقي لنجاح 'كابينتكم'، فالعراق القوي هو الذي يعترف بقوة شركائه ويمنحهم حقوقهم دون تسويف. إن بقاء العراق وازدهاره مرهون بمدى صدقك في تنفيذ هذا العهد الدستوري، فالعراق يُبنى بكردستان وبقدر ما تُحفظ حقوق الإقليم في ميزان الـ100 يوم الأولى يُحفظ مستقبل العراق وتُصان سيادته.