واشنطن تتحرك دبلوماسيا بعد اتفاق أمني بين بغداد وطهران
بغداد - اجتمع مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم الأعرجي، مع القائم بالأعمال الأميركي في بغداد، ستيفن فاجن، لبحث تداعيات الاتفاق الأمني الأخير الموقع بين العراق وإيران، والذي أثار موجة قلق متصاعدة في واشنطن، اعتبرته تراجعاً في جهود تقليص النفوذ الإيراني داخل العراق.
اللقاء الذي جاء بعد أيام فقط من توقيع مذكرة التفاهم بين بغداد وطهران، خُصص لمناقشة تفاصيل هذه الاتفاقية التي تتعلق بضبط الحدود المشتركة بين البلدين، إضافة إلى ملفات أمنية أخرى، في مقدمتها التنسيق في مكافحة الإرهاب وإعادة النازحين.
وذكر مكتب الأعرجي، في بيان رسمي، أن الاجتماع تطرق إلى طبيعة الاتفاق الأمني مع إيران، مؤكداً أن العراق "يتحرك من منطلقات وطنية سيادية، وينتهج سياسة خارجية متوازنة في علاقاته الإقليمية والدولية".
لكن هذه الرسائل لم تكن كافية لطمأنة الجانب الأميركي، الذي لم يتأخر في التعبير عن رفضه للاتفاق، إذ أصدرت وزارة الخارجية الأميركية بياناً عبّرت فيه عن قلقها البالغ، مؤكدة أن مثل هذه التفاهمات "تتعارض مع أهداف دعم مؤسسات الدولة العراقية وتتناقض مع مساعي بناء أجهزة أمنية مستقلة عن التأثيرات الخارجية".
من وجهة النظر الأميركية، فإن الاتفاق الأخير يفتح الباب أمام تمكين إيران من لعب دور أمني مباشر داخل الأراضي العراقية، خاصة في المناطق الحدودية، التي لطالما شكلت مسرحاً لتهريب السلاح وتحرك الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران.
ويأتي هذا القلق في سياق أوسع من التحركات الأميركية الهادفة إلى إعادة هندسة التوازنات الأمنية في العراق، من خلال الضغط على بغداد لسحب سلاح الميليشيات وتفكيكها، في إطار استعادة الدولة لسيادتها الأمنية وتحييد النفوذ الإيراني، الذي ترى فيه واشنطن تهديداً مباشراً لاستقرار العراق والمنطقة.
ويشير مراقبون إلى أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تتعامل مع الاتفاق بوصفه رسالة سياسية أكثر من كونه مجرد ترتيبات حدودية، ويخشون أن يستخدم لتبرير بقاء الفصائل المسلحة و"شرعنتها" تحت غطاء التعاون الأمني مع إيران.
وكان رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، الذي رعى مراسم توقيع مذكرة التفاهم مع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، أكد في أكثر من مناسبة أن حكومته تمضي في سياسة "الانفتاح المتوازن"، وتسعى إلى تطوير علاقاتها مع جميع الأطراف دون الانخراط في محاور إقليمية متضادة.
إلا أن هذه الصيغة التي تروّج لها بغداد تصطدم بتناقضات الواقع؛ فالعلاقات مع إيران تتجاوز التعاون الحدودي أو الاقتصادي، إلى تشابك أمني وسياسي عميق، يجعل الفصل بين الدولة والمليشيات أمراً بالغ الصعوبة. في المقابل، تحاول واشنطن، عبر أدوات الدعم السياسي والعسكري، الحفاظ على مستوى من النفوذ في العراق، خاصة بعد انسحابها العسكري الرسمي.
وفي نظر العديد من المحللين، لا يزال العراق يشكل ساحة مفتوحة لتصادم مشاريع النفوذ بين إيران والولايات المتحدة، وهو صراع لا يدفع ثمنه سوى العراقيون أنفسهم، الذين ما زالوا يرزحون تحت أزمات متلاحقة، أمنية واقتصادية وسياسية.
ورغم التصريحات العراقية الرسمية عن احترام السيادة وتجنب الانحياز، إلا أن الواقع يشير إلى أن بغداد تواجه صعوبة في إدارة هذا التوازن، وسط ضغط متزايد من الطرفين.
وتُعدّ قضية سلاح الميليشيات من أكثر القضايا حساسية في هذا السياق، إذ تنظر واشنطن إلى تفكيك هذه الجماعات باعتباره شرطاً أساسياً لأي استقرار طويل الأمد، في حين تعتبر طهران هذه الفصائل ركيزة أساسية ضمن "محور المقاومة"، وأداة لحماية مصالحها في المنطقة.
اللقاء بين الأعرجي وفاجن يعكس محاولة لاحتواء التصعيد، لكنه لا يخفي هشاشة التفاهم بين بغداد وواشنطن، خاصة في ظل خطوات عراقية متسارعة لتعميق التنسيق مع إيران في ملفات أمنية واقتصادية، ما قد يُفجّر لاحقاً خلافات أعمق، تتعلق بموقع العراق في الخريطة الإقليمية.
وفي المقابل، تُدرك الحكومة العراقية أن أي تصعيد مع الولايات المتحدة قد ينعكس على ملفات حيوية، من بينها التعاون العسكري، وبرامج إعادة الإعمار، والتزامات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.