واشنطن تضغط وطهران تناور بين الدبلوماسية والتسلح سرّا

الولايات المتحدة تلوّح بالقوة لكنها تعرض التفاوض، وإيران تشتري السلاح لكنها تؤكد استعدادها للحوار.
واشنطن تمهل طهران 48 ساعة لتقديم مقترح مفصل لإطلاق مفاوضات نووية
مهلة التفاوض الأميركية تأتي تحت ظلال الحشد العسكري
طهران أبرمت صفقة مع موسكو بـ500 مليون دولار لإعادة بناء منظومتها الدفاعية الجوية

واشنطن/طهران - تتسارع عقارب الساعة في ملف المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث منحت واشنطن طهران مهلة لا تتجاوز 48 ساعة لتقديم مقترح مفصل يعيد إطلاق مسار المفاوضات النووية، في وقت يتصاعد فيه الحشد العسكري الأميركي بالمنطقة إلى مستويات غير مسبوقة منذ عام 2003، بينما تتجه الجمهورية الإسلامية في المقابل إلى تعزيز قدراتها الدفاعية عبر صفقات تسليح سرية متطورة، بينما ترسم هذه المعادلة المركبة مشهداً استراتيجياً متوتراً يجمع بين لغة الدبلوماسية الصارمة وإشارات القوة الميدانية.

ونقل موقع 'أكسيوس' عن مسؤول أميركي قوله، إن إدارة الرئيس دونالد ترامب مستعدة لعقد جولة جديدة من المحادثات مع إيران في جنيف الجمعة المقبلة، بشرط تلقي مقترح إيراني مكتوب خلال المهلة المحددة. ويُنظر إلى هذا الشرط باعتباره اختبارا للنوايا أكثر منه إجراءً بروتوكولياً، إذ يعكس رغبة واشنطن في دفع طهران إلى تقديم تنازلات ملموسة قبل الانتقال إلى مفاوضات تفصيلية.

وستكون الجولة المرتقبة امتداداً لمسار تفاوضي بدأ مطلع الشهر في مسقط، ثم انتقل إلى جنيف، في محاولة لإحياء اتفاق نووي جديد. ويتصدر المشهد التفاوضي مبعوثا البيت الأبيض ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر اللذان حثّا ترامب على منح المسار الدبلوماسي فرصة قبل اتخاذ أي قرار عسكري. وقد طلبا من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تقديم مقترح مفصل يوضح تصور طهران لاتفاق نووي جديد.

ويقوم الموقف الأميركي المعلن على مبدأ "صفر تخصيب" لليورانيوم داخل الأراضي الإيرانية، مع استعداد مشروط للنظر في صيغة "تخصيب رمزي" إذا أثبتت طهران أن برنامجها مغلق تماماً أمام أي مسار يقود إلى تصنيع سلاح نووي. ويعكس هذا الطرح تشدداً تفاوضياً يهدف إلى انتزاع ضمانات تقنية وسياسية في آن واحد.

غير أن المسار الدبلوماسي يسير بمحاذاة تهديد واضح، فقد ذكرت مصادر أميركية أن هذه الجهود قد تكون الفرصة الأخيرة قبل احتمال تنفيذ عملية عسكرية مشتركة مع إسرائيل، قد تستهدف قيادات عليا في إيران، بينها المرشد الأعلى علي خامنئي.

وتؤكد طهران من جانبها أنها سترد على أي هجوم، حتى لو كان محدوداً، معتبرة أن التهديدات تستهدف تغيير النظام وليس فقط كبح برنامجها النووي.

وفي خلفية هذا التصعيد، كشفت صحيفة 'فايننشال تايمز' عن صفقة سرية أبرمتها إيران مع روسيا بقيمة تقارب 500 مليون يورو لشراء آلاف الصواريخ المحمولة وأنظمة إطلاق حديثة، ضمن خطة لإعادة بناء منظومتها الدفاعية الجوية. وتشير المعلومات إلى أن الاتفاق وُقع في موسكو نهاية 2025، ويتضمن تسليم مئات المنصات وآلاف الصواريخ على مراحل تمتد حتى عام 2029، مع احتمال تسليم بعض الأنظمة مبكراً.

وجاءت هذه الخطوة، وفق مصادر مطلعة، بعد الضربات التي تعرضت لها إيران خلال مواجهة عسكرية استمرت 12 يوماً في صيف 2025، حين شنت إسرائيل هجمات أعقبتها ضربات أميركية استهدفت منشآت نووية، وردت طهران بقصف مناطق واسعة داخل إسرائيل قبل إعلان وقف إطلاق النار. ومنذ تلك المواجهة، باتت مسألة حماية المنشآت الاستراتيجية أولوية قصوى لدى القيادة الإيرانية.

وبالتوازي مع التحركات الإيرانية، تكثف الولايات المتحدة حضورها العسكري في الشرق الأوسط بشكل لافت، فقد رصدت بيانات استخبارات مفتوحة وتحليلات نشر عشرات الطائرات المقاتلة وطائرات الإنذار المبكر وناقلات الوقود الجوي، إضافة إلى تعزيز الانتشار البحري في البحر المتوسط.  كما أظهرت بيانات منصة فلايت رادار 24 أن أكثر الرحلات الجوية متابعة عالمياً خلال الأسبوع الماضي كانت لطائرات عسكرية أميركية، في مؤشر على كثافة النشاط العملياتي.

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، روبرت باب، أن عمليات التزود بالوقود جواً تمثل دليلاً على استعداد لوجستي واسع، موضحاً أن هذا النوع من الدعم يعد عنصراً حاسماً في أي حملة عسكرية. وقدّر أن حجم الحشد الحالي هو الأكبر في المنطقة منذ غزو العراق عام 2003، ما يعكس جدية الرسائل العسكرية الموجهة إلى طهران.

وفي القراءة الاستراتيجية، لا تبدو التحركات العسكرية بديلاً فورياً للدبلوماسية، بل أداة ضغط مرافقة لها، فواشنطن تؤكد أن التعزيزات تهدف إلى ردع أي تصعيد إقليمي محتمل، لكنها في الوقت نفسه تستخدمها كورقة تفاوضية لفرض شروطها على طاولة جنيف. وفي المقابل، تحاول إيران إظهار أنها قادرة على امتصاص الضغوط عبر تعزيز دفاعاتها وتوثيق تعاونها العسكري مع موسكو.

واللافت أن كلا الطرفين يعتمد استراتيجية "الضغط مع الباب المفتوح"، فالولايات المتحدة تلوّح بالقوة لكنها تعرض التفاوض، وإيران تشتري السلاح لكنها تؤكد استعدادها للحوار. وهذا التوازن الدقيق يجعل المرحلة الحالية واحدة من أكثر اللحظات حساسية في الصراع المستمر منذ سنوات حول البرنامج النووي الإيراني.

أما سياسياً، تدرك واشنطن أن أي ضربة عسكرية قد تشعل المنطقة بأسرها، خصوصاً في ظل تشابك ساحات النفوذ والصراعات الإقليمية. وفي المقابل، تدرك طهران أن استمرار العقوبات يضغط اقتصادها بشدة، ما يجعل التوصل إلى اتفاق جزئي أو مؤقت خياراً واقعياً لتخفيف الضغوط لذلك يُطرح احتمال اتفاق مرحلي كخطوة أولى قبل صياغة اتفاق شامل.

ومع اقتراب انتهاء مهلة الـ48 ساعة، تبدو الصورة كأنها رقعة شطرنج دولية: القطع العسكرية تتحرك ببطء لكن بثقل، والرسائل الدبلوماسية تتنقل بين العواصم بحذر، فالقرار الذي ستتخذه طهران بشأن المقترح المنتظر قد يحدد اتجاه المرحلة المقبلة: إما استئناف مفاوضات تفصيلية قد تفتح نافذة تهدئة، أو انزلاق نحو تصعيد قد يعيد المنطقة إلى حافة مواجهة مفتوحة.

وتقف الأزمة عند نقطة مفصلية يتداخل فيها التفاوض مع الردع، والتصعيد مع التهدئة، فالمشهد لا تحكمه لغة واحدة، بل لغتان متوازيتان: لغة الطاولة ولغة الحشود وبينهما، يتقرر مصير واحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية في العالم المعاصر.