13 نيسان العبرة لمن اعتبر، حين يتشابه الزمن ولا يتكرّر تماماً
في 13 نيسان 1975، لم يستيقظ اللبنانيون على حرب فاجأتهم من العدم، بل كانوا يواجهون لحظة انفجار لشيء ظل يتراكم في صدورهم وبيوتهم لسنوات طويلة من الصمت. ذلك اليوم الذي انطبع في ذاكرتنا كبداية للحرب الأهلية، لم يكن وليد حادثة عابرة، بل كان نتيجة شبكة معقدة من التوترات السياسية والطائفية التي جعلت الدولة، بمرور الوقت، تفقد قدرتها على أن تكون هي المرجعية، وعجزت تماماً عن ضبط السلاح الذي بدأ يتسرب إلى كل مكان.
ما حدث في عين الرمانة، ومن ثم في شوارع بيروت، لم يكن إلا تلك الشرارة التي فضحت كم كان بنياننا هشاً ويتآكل من الداخل منذ زمن.
قبل ذلك اليوم المشؤوم، كان هناك انقسام صامت يكبر بيننا يوماً بعد يوم. كانت لدينا دولة موجودة في الأوراق والمكاتب، لكن سلطتها الحقيقية كانت تتراجع أمام سطوة السلاح والقوى المسلحة، سواء كانت أحزاباً محلية أو فصائل فلسطينية أو قوى إقليمية وجدت في أرضنا ساحة لتصفية حساباتها.
مع الوقت، لم يعد السلاح مجرد أداة للقتال، بل صار هو اللغة التي يتخاطب بها الناس بديلاً عن لغة القانون، وصار وسيلة لتنظيم تفاصيل الحياة اليومية في الأحياء والمناطق. وعندما شعر الناس أن الدولة لم تعد قادرة على حمايتهم أو تمثيلهم، بدأوا ينقسمون بعنف حول من يحمي ومن يقرر المصير.
ما تبع ذلك كان انهياراً حزيناً لكل ما هو مشترك بيننا. بيروت التي كانت تجمعنا انشطرت، وظهرت بيننا خطوط تماس بدأت وهمية في النفوس قبل أن تصبح متاريس حقيقية في الشوارع. ومع استمرار الحرب، لم يعد الخلاف على السياسة فقط، بل دخل في عمق تكويننا كبشر؛ صار الجار الذي نتقاسم معه الخبز مصدراً محتملاً للخطر، وصار الحي الذي نسكنه هو هويتنا الوحيدة، وتحولت ذاكرتنا المشتركة إلى ساحة أخرى للصراع. الحرب لم تكن مجرد جبهات ومعارك، بل كانت عملية إعادة تشكيل لكل تفاصيل حياتنا، وغيرت تماماً مفهومنا عن الخوف، وعن معنى أن تنتمي لمكان، أو حتى كيف تنجو بنفسك.
وعندما انتهى القتال رسمياً باتفاق الطائف عام 1989، توهم الكثيرون منا أننا طوينا الصفحة، لكن الحقيقة المريرة هي أن سؤال الدولة بقي معلقاً: هل استعدنا عافيتنا فعلاً، أم أننا فقط أنتجنا تلك الهشاشة القديمة بأسلوب جديد؟ التجربة اللبنانية لم تنتهِ بصورة كاملة، بل ظلت حاضرة في وعينا كذاكرة سياسية واجتماعية تستيقظ مع كل اهتزاز داخلي أو ضغط خارجي.
اليوم، حين نستعيد 13 نيسان، نحن لا ننبش في الماضي لمجرد التذكر، بل لأننا نلمس تشابهات توجعنا في حاضرنا. وجود قوى تحمل سلاحاً خارج إطار الدولة، واستمرار التجاذبات الإقليمية التي ترمي بثقلها علينا، والأزمات التي أفقدتنا الثقة في كل مؤسساتنا، كلها تجعلنا نرى في المرآة ظلال ذلك الزمن القديم، حتى لو تغيرت الأدوات. الفكرة العميقة والمخيفة هي نفسها: حين تتعدد الرؤوس ومراكز القوة في بلد واحد، يظل الاستقرار مجرد واجهة هشّة مهما حاولنا إقناع أنفسنا بالعكس.
لكن، وبالرغم من كل هذا، هناك فرق جوهري لا يمكننا أن نتجاهله. نحن اليوم لسنا كما كنا في 1975. وجع الحرب الذي عشناه صار جزءاً من جيناتنا الوطنية، والخوف من العودة إلى تلك الأيام صار هو الردع الحقيقي الذي يسكن داخل كل واحد فينا. الكلفة الباهظة التي دفعناها من أرواحنا وأحلامنا صارت معروفة ومدركة، والجميع يعلم أن أي انزلاق جديد يعني نهاية ما تبقى من فكرة الدولة. هذا الوعي، رغم ضعفه أحياناً تحت ضغط الغضب، يظل هو الحاجز الذي يمنعنا من السقوط الحر نحو الانفجار.
ومع ذلك، يبقى 13 نيسان أكثر من مجرد ذكرى؛ إنه التحدي الحقيقي أمام مفهوم الدولة، التي لا يمكنها أن تستعيد هيبتها واحتكارها للقرار والسلاح إلا بفك هذا التشابك الداخلي والإقليمي. إن المسؤولية تقع علينا كمجتمع عاش الحرب لكي يمنع نفسه بوعي صلب من إعادة إنتاجها بصيغ جديدة، حتى لو كانت تلك الصيغ أقل عنفاً أو أكثر تدرجاً في الظهور، لأن القبول بالانقسام الصامت هو أول خطوات العودة إلى الوراء.
إن العبرة الحقيقية لا تكمن فقط في تجنب تكرار ما عشناه، بل في امتلاك الشجاعة لفهم كيف بدأ هذا الانهيار، ولماذا يستمر في الظهور كلما ضعفت الدولة أو تراجعت قدرتها على جمع الجميع تحت سقف واحد، فالتاريخ لا يعود كما هو، لكنه يعيد طرح استحقاقاته بوجوه مختلفة، ويضعنا أمام حقيقة أن الحل يبدأ من حسم الإجابات الوطنية المؤجلة، بدلاً من تركها للزمن الذي قد يفاجئنا مرة أخرى.