الواقعي التاريخي والمتخيل السردي في 'أفندينا'

الكاتب محسن الغمري يخوض في روايته مغامرة محفوفة بالمخاطر عبر نمط كتابة يكون خلاله للشخصيات التاريخية وحدها الدور البنائي الفاعل في النص والاحداث.
د.أحمـد فـؤاد
القاهرة

تمثل رواية "أفندينا" للكاتب محسن الغمري نمطًا، يعد الأكثر صعوبة بين أنماط الكتابة السردية/ التاريخية التي يقدمها مبدعونا عبر السنين.

فالنصوص السردية/التاريخية تتعدد في ضوء ثلاثة أنماط، نمط يتخذ التاريخ سياقًا سرديًّا عامًّا دون بعث شخصيات تاريخية بأسمائها الواقعية، وآخر يخلط بين شخصيات تاريخية/ واقعية، وشخصيات متخيلة تلعب الأدوار الرئيسية، مقارنة بالشخصيات التاريخية، وثالث يكون للشخصيات التاريخية وحدها الدور البنائي الفاعل في النص السردي.

والنمط الثالث أكثرها صعوبة نظرا لكثرة المعايير النقدية التي تتطلبها بنيتها السردية الفاعلة، والتي تعد بمثابة مزالق يُخشى على المبدعين من ارتيادها، وهو ما يُحمد لمحسن الغمري جرأته في خوض غمارها، كما يُحمد لنصه الروائي انتماؤه لهذا النمط السردي المعقد.

فمن أبرز مقومات نجاح هذا النمط أن يختار المؤلف شخصية تاريخية مؤثرة وحقبة تاريخية مهمة، يمكن من خلالها إثراء نصه الإبداعي، وإسقاط الأحداث التاريخية المستدعاة على الأحداث الواقعية الحاضرة والمستقبلية، وكذلك عدم وقوع المؤلف في فخ الرصد التاريخي الواقعي، بعيدًا عن التقنيات السردية، بما يجعل النص الروائي توليفة نصية متماسكة بين الواقعي التاريخي والمتخيل السردي، وهو ما نجحت فيه رواية (أفندينا) بشكل لافت للنظر.

تستوحي الرواية أحداثها الرئيسية من فترة حكم عباس حلمي وما قبلها، بدءًا من فترة حكم محمد علي باشا، وهي فترة زمنية ملهمة لكثير من الأحداث والوقائع التاريخية (الواقعية والمتخيلة في الوقت ذاته) في بناء مصر الحديثة.

وتطالعنا وجهة نظر المؤلف ورؤيته الإبداعية، في تحقيق هذا الانسجام النصي، بداية من العتبات النصية، ثم التقنيات السردية المتعلقة بالحكي والوصف واللغة الجمالية.

العتبة الأولى العنوان، ويبدو اختيار عنوان "أفندينا" غريبا للوهلة الأولى، باعتباره غير معبر عن الشخصية التاريخية الرئيسية في النص الروائي عباس حلمي، وهو ما يجعل الأجدر وفق القراءة النقدية الأولى للنص اختيار عنوان آخر يجمع بينه وبين الشخصية الرئيسية الثانية محمد علي باشا مثل "أفندينا وولي العهد" أو حتى عباس حلمي وحده مثل "الأمير المظلوم"، ولكن القراءة التأويلية الثانية تؤكد أن هذا العنوان ليس إلا رمزًا لحقبة زمنية يكون بطلهاا لحاكم في أي زمان أو مكان، والذي يُطلق عليه المقربون والشعب "أفندينا"، سواء كان محمد علي باشا أو عباس حلمي أو غيرهما، وتكون بذلك فترة "أفندينا" في أي وقت وأي مكان محل مدح وذم ومناقشات وأسئلة ممتدة عبر التاريخ، بما للحاكم وبما عليه، وفقا لمؤيديه ومعارضيه، أثناء فترة حكمه وبعدها!!

والعتبة الثانية "البدايات"، فبداية النص السردي/ التاريخي مشوِّقة للغاية، وتشكل إحكامًا بنائيًّا واضحًا يبرر الحديث عن حقبة محمد علي وعباس حلمي، وذلك من خلال الصديقين المغرمين منذ صغرهما بالبحث عن الشخصيات التاريخية المرتبطة بالصور المطبوعة على طوابع البريد، وبعد فترة طويلة يلتقيان ويجدان مخطوطًا كتبه كاتب في قصر محمد علي عن حقبته التاريخية وحقبة عباس حلمي الأول، وهما يستعرضان طوال النص الروائي ما جاء في هذه المخطوطة بسرد هذا الكاتب (صفاء الدين القولي).

ويكمل بناء هذه العتبة النصية التعاقب في الحكي السردي بين الوقائع التاريخية المسرودة في المخطوطة على لسان السارد وتعليقات هاتين الشخصيتينفي عدد من المواضع المتناثرة عبر النص السردي كله، بما يجعل السرد الحكائييقدم إضاءات معرفية وتاريخية متعددة حول هذه الحقبة الزمنية من ناحية، ويقدم وظيفة إسقاطية واضحة على الأحداث المعاصرة من ناحية ثانية، ووظيفة تقييمية للحقبة التاريخية المسرودة من ناحية ثالثة.

ففي موضع نجد حديثًا عن افتتاح ترعة المحمودية عام 1820، وأنها رُدمت مع الزمن والإهمال؛ حتى أعيد حفرها وتطويرها بعد مائتي سنة عام 2020م–( ص 104)، وفي موضع ثان يقابلنا حديث عن اهتمام محمد علي بالسودان، ونجد الصديق السفير يقول إن محمد علي كان سياسيًّا بالفطرة وأدرك في القرن التاسع عشر ما ننادي به الآن عن أهمية السودان لمصر باعتبارها عمقًا استراتيجيًّا وتأمينًا لحدود مصر الجنوبية – ( ص 124).

وفي موضع ثالث بعد حديث النص الروائي عن موقف عباس حلمي الرافض لفرض ضرائب على الشعب، يقول صديقه السفير: "أتعجب مما كُتب هنا عن هذا الوالي، فالصورة المتواترة التي وصلت إلينا تظهره جلفًا من دعاة التخلف، بينما المخطوط يتحدث عن شخصية ذات رؤية وفكر، اجتهدت قدر استطاعتها لتحقيق الإصلاح والعدالة، هذه الآراء جميعها كتبت بعد موت الرجل بأقلام موتورة، وهذا يدعوني للتشكيك فيما يكتبونه عنه بالسوء المطلق" ( ص 318).

والتناغم بين التاريخي والسردي لم يقتصر على الحكي فقط، وإنما امتد للوصف السردي، والذي كان مساندًا للحكي في إلقاء الأضواء على كثير من المواقف التاريخية المسرودة، والشخصيات المحكي عنها في النص الروائي.

من ذلك وصف شخصية محمد علي باشا في كثير من جوانبها، والتي يلقِّبها السارد بالحاج محمد علي عند الحديث عن جوانبه الإنسانية و"أفندينا" عند حديثه عن جوانب سياسية وعسكرية في مسيرته الممتدة عبر السنين، وكذلك وصف شخصية عباس وتطورها عبر الزمن، والوقوف عند نشأته المرتبطة بمعلمه المتشدد، وتكوينه الجسميوالعلمي والأخلاقي والسياسي عبر مواضع كثيرة متلاحقة في السرد الروائي.

هذا بجانب الحديث عن وقائع تاريخية مهمة وتناولها من نظرة موضوعية تاريخيًّا من ناحية ومحكمة بنائيًّا في النص الروائي من ناحية أخرى، من ذلك الحديث عن مذبحة محمد علي المشهورة ضد المماليك وحملات محمد علي وابنه إبراهيم في الحجاز والشام، وغيرها من خلال مشاهد النص السردي المتتابعة في تواريخ زمنية محددة بالسنين.

يضاف إلى ذلك وصف علاقات شخصية في هذه الحقبة، يتداخل فيها الواقعي والمتخيل، مثل علاقة طوسون باشا ابن محمد علي ووالد عباس بإخوته (ص 67)، ووصف واقعي لعساكر حراس الوالي أيام محمد علي ( ص 81)، ووصف الجبرتي عن محمد علي بخاصة والحكام في أي مكان وزمان (ص 95)، ووصف احتفاء المصريين بشهر رمضان في القاهرة في هذه الفترة (ص 225)، والقصص الرومانسية المتناثرة عبر النص الروائي مثل قصة حب أحمد طوسون والأميرة "بمبا" وكراهية أخته نازلي لها، وقصة حب سارد النص الروائي وكاتب المخطوطة "صفاء الدين القولي" لزوجته "يلدز".

ويكمل هذا الانسجام السردي تقنية مرتبطة بالفضاء الكتاب يللنص السردي، وقد تناثرت في مواضع كثيرة عبر النص كله، وهي كتابة الرسائل المتبادلة بين الشخصيات التاريخية أو حتى المتخيلة ببنط مختلف عن بنط كتابة النص السردي نفسه، بما يقدِّم تحفيزًا واقعيًّا يجعل المتلقي يصدق ما يقرؤه في نص سردي تاريخي، وكأن هذه الرسائل رسائل حقيقة مرسلة بين هذه الشخصيات فعلاً وليست جزءًا من أجزاء النص السردي المكتوب ببنط كتابي عادي.

من ذلك مثلا رسالة محمد علي لزوجته قبل أن يصبح واليًا على مصر (ص 23)، ورسالة طوسون باشا لوالده يخبره بنجاح حملته العسكرية بالحجاز ودخوله (مكة) (ص 42)، ورسالة إبراهيم باشا لوالده يخبره فيها بنجاح حملته العسكرية على الشام ودخوله مدينة حمص (ص 183)، وغيرها الكثير.

يتسق مع كل ذلك ويخفف من حدة وطأة الإضاءات المعرفية والتاريخية الضرورية في أي نص سردي تاريخي، اعتماد اللغة السردية على تقنية جمالية/ بلاغية بشكل مستمر طوال السرد الحكائي والوصفي، وهي العبارات التشبيهية والاستعارية المستخدمة عند حكي حدث رئيسي أو وصف مشاعر أو مواقف رئيسية داخل النص السردي.

من ذلك قول السارد عن حدوث مشكلات للجيش المصري بقيادة طوسون في الحجاز: "طارت أخبار الهزيمة مع طلب بالعون من الباشا" (ص 37)، وعن محمد علي بعد أن أصبح سنُّه كبيرًا عام 1840م: "تحوَّل شعر رأسه ولحيته إلى كتان أبيض" (ص 229)، وعلى لسان عباس حلمي بعدما قرر الذهاب للحج عند علمه بمكيدة عمه إبراهيم باشا لإبعاده عن الحكم: "وتلك فرصتي للبعد عن هذا البحر الهائج وأمواجه المتلاطمة" (ص 264)،وعن وفاة إبراهيم باشا:"استرد الله وديعته، بأن سخَّر داء الصدر ليسرق روح القائد العسكري الفذ إبراهيم باشا" (ص 268)، وغيرها الكثير.

استطاعت إذن رواية "أفندينا" التغلب على كثير من إشكاليات النص السردي/ التاريخي المعاصر، كما استطاعت المزج بين المضمون الواقعي/ التاريخي من ناحية، والتقنيات السردية / الجمالية من ناحية أخرى، بجانب نجاحها في استلهام حقبة زمنية مهمة في تاريخ مصر الحديث، والحديث عن شخصية عباس حلمي، تلك الشخصية التي دار حولها جدل كبير، وقيل عنها الكثير من المعلومات التاريخية التي ربما تكون مغلوطة وفي حاجة إلى معاودة قراءة ومراجعة، مثلما حدث في هذه الرواية!!