'آيس هارت في العالم الآخر' أسئلة المعذب في هذا الوجود
"يستحيل أن أصف مشهدا أو أنقل شعورا بدقة، فاللغة المحدودة تصطدم باللامحدود. الكلمات المصنوعة من خيال البشر تواجه ما بعد الخيال".
هذا ما يقوله الروائي المصري محمد بركة في روايته الأحدث "آيس هارت في العالم الآخر" الصادرة مؤخرا عن دار "إيبيدي" بالقاهرة، ولكنه يحاول أن يتجاوز هذا العالم المحدود بلغة أخاذة تمشي على القض والقضيض من الحصى، فنسمع صليلها وهي ترتطم بتفاصيل هذه الدنيا العجيبة التي يحط فيها.. إنه العالم الآخر لبطل الرواية الفنان التشكيلي مروان الذي يجّدد ساعة الصفر مع كل شخص من الأموات يمر به في رحلته الأبدية، فيراجع مخطط الأقدار، وتنمو في خياله تلك التساؤلات التي يستودعها الشخص المعذب نفسه، عندما يجدها تمشي مع ركب طويل من الرحالة في فضاء مجهول.
إنه يوم الحساب بطريقة أخرى تفرضها حالة الصفاء الذهني التي تغمره بسبب الوجود في فضاء الأبدية: "يبدو كوكب الأرض عبر إحدى النوافذ الجانبية على غير المعتاد. مجرد كرة تتدلى من جيب كائن عملاق كأنها واحدة من تلك الميداليات التي تباع في محل للإكسسوار الرخيص". هناك اشتباكات تحدث من أول الزمان حتى آخره، فتهتز "النجوم المعلقة كالمصابيح في سقف السماء حين يبدأ القتال مسبوقا بقرع طبول عاتية... اشتباك وحشي على متن سجادة مغزولة بخيط من الذهب يجاوره خيط من الفضة، مكتوب في وسطها بالخيطين معا: بنو آدم".
هناك أيضا قلبه المتشبث بالعشق مع كل مرور لسرب من الإوز العراقي في السماء، أو مع كل ورقة شجرة تحيا حياتها المستقلة التي لا تشبه حياة ورقة أخرى.. راح يتداول تفاصيل الكون بخطوات فتية مثل أول إنسان يهبط على كوكب بالغ التناقض والجمال.. سيتحول إلى جزء لا يتجزأ من اللحاء والأنسجة، أو إلى قطرة ماء في التربة، أو إلى ذرة من ثاني أكسيد الكربون معلقة في الهواء، ثم تتحد الأجزاء مع بعضها البعض داخل نقطة من الضوء لتتحول إلى ذرة سكر.. أصبحت عملية التمثيل الغذائي تجري بلطف كمعزوفة مدهشة تشبه موسيقى ناي الراعي الذي يمنح أغنامه شيئا من الطمأنينة. واللغة أيضا هي معزوفة تنطلق من آلة شبيهة بنبع الماء الصافي.. لتحاول أن تكون المعادل النقي لكهف مظلم يجاورها.. هو كهف الأسئلة الوجود وهواجس النفس التي تريد معرفة الإجابات من خلال فتح النوافذ الضوئية على تاريخ مليء بالمغالطات، وكاتلوج السطور الجازمة.. لعلها تشرب من مياه أحواض جديدة بحثا عن خلاص روحي.
إنها رواية تعيد تعريف بعض المعرفات، وتضع لها هالة أخرى من المعاني والأنوار لا يحدها زمان أو مكان.. وإنما تديفها بمادة روحية تخلخل وجودها وتصعقه "لأن كل اللغات بائسة وكل حيل البلاغة ناقصة وكل أقنعة المجاز هراء".. يحدث هذا كله خلال ساعة أو أقل من غيبوبة تسبب بها توقف عضلة القلب عن الحياة نتيجة جلطة مفاجئة، ثم يمضي الوقت على حافة ذلك الغياب، فيسافر مروان مع الرماح وأبيه وآخرين ممن مروا في حياته. تلك الرحلة ستمر بمراحل مختلفة من الكون، فتبحر بين نظريات عدة عن نشأة هذا الوجود وكيف تلتقي بالنهاية سواء استغرق تطوره الفيزيائي مليارات السنين أو نزل جاهزا من علياء النور إلى الأرض... بعد سبع صدمات كهربائية يعود النبض من جديد لبطل الرواية ويتنفس مرة أخرى، وسيكون قد زار العالم الآخر وعاد منه يبحث عن الرحمة والحب حتى وإن كان من خلال قطته آيس هارت.