'إنه يتمخض عن ميلاد جديد'

الحلم الأكبر هو حلم النجاة، حلم الأمان، حلم إرادة عبور الوباء.
محمد عطية محمود
الإسكندرية

تنفذ هذه الجملة العبقرية، من بين ثنايا ملحمة "الحرافيش" لنجيب محفوظ، عن وعي الناجي الأكبر المؤسس، عاشور ابن التكية والقبو والخلاء والوجود المفارق على عتبات حياة مجهولة، في عمق الوجود من بعد أهوال وارتعابات الخوف من البلاء والابتلاء، ومقدم هذا "الوباء" في صورة "الطوفان" الذي يقتلع كل شيء في طريقه، والذي يتسرب إليه من خلال فلسفة الحقيقة المراوغة التي يفرضها عليه هذا الوجود من عدم، وبلا هوية يشار إليها بالبنان، وتعود إليها مرجعيات الوجود، ومن خلال ارتهانات التوجه لالتماس الحس الصوفي الروحاني، والذي يكرس للثوابت الحياتية إلى جوار الحس اليقيني الذي يغلف هذه الحالة والعلاقة مع الذات العلية، فهو يقر واقع المصير والمسيرة الإنسانيين حين يقول:

"ولكن ثمة فكرة تتسلل إليه خلال عباداته المتواصلة بأن الإنسان يستحق ما يعانيه"

فربما كانت تلك الفلسفة الروحانية القدرية الملتحفة بهذا المد العقيدي الفطري، والتي تنتهجها الشخصية الساعية إلى تجسيد/ خلق دورها في الوجود، من خلال ما تقدمه/ يقدم لها من خوارق لهذا النسق من الوجود، وتمايزها وهيمنتها بالصمت والتركيز والتوغل والتأمل في روحانية الحالة مجهولة المصدر، إضافة إلى مجهولية الوجود ذاته كمتلازمات تميزه، وتجعل منه مهجوسا بالروح التي تسيره وتحركه، والتي تتمخض عنها تلك الحالة:

"نام ساعتين.. رأى في وسط الحارة الشيخ عفرة زيدان، هرع نحوه مجذوبًا بالأشواق، كلما تقدم خطوة سبق الشيخ خطوتين. هكذا اخترقا الممر والقرافة نحو الخلاء والجبل، وناداه من أعماقه ولكن الصوت في حلقه انكتم"

هكذا أتت بشارة النجاة لعاشور "الناجي" البطل الملهم للملحمة، الذي تستقي منه الحارة - فيما بعد - قوتها وعافيتها المستلبة المقهورة، كقاعدة عريضة ربما مثلت في مستوياتها الرمزية تيمة القائد أو الزعيم أو المخلص أو البطل الشعبي، ليكون هذا الطريق الذي مهدته له الرؤية، بهذا الاستباق الموازي لبدايات الوباء الذي بدأ يلتهم الحارة/ العالم المحدود والمحوري في النص السردي الملحمي، والذي يتمخض عنه أيضا نموذج كوني يمثل الكيانات الأكبر..

لتبدأ حالة من التنقل والتحول التي يسبغها النص السردي على العالم الخاص بتلك الشخصية الساعية بفطرتها لتأكيد أسطوريتها وارتباطها بالواقع في نفس الآن، ورموزه الدالة على الوقوع في حالة تأسيسية تحكم الأمور بقدرية وروحانية موغلة في تلك الذات:

"قضى عاشور وأسرته في الخلاء ما يقارب الستة أشهر. لم يكن يغادر موقع الكهف إلا ليحضر ماء من حنفية الدراسة أو يبتاع علفًا للحمار أو بعض الضرورات في نطاق ما يملك من مدخر قليل"

من خلال فكرة العزل، أو الانتقال الموجه القدري، المتشح بمظهر الهروب أو الفرار من قدر إلى قدر جديد، والذي يجعل من الشخصية رمزا للسعي في معية القدرة الأعلى بمثالية التعامل مع النموذج العقيدي التي يجنح إليها من خلال الملمح الصوفي ملتحفًا بردة من معان لا أسمال، تضيفه في بحثه عن القوة الأكبر من خلال سمت من سمات المتأملين الباحثين عنها في التاريخ كبوذا وكونفوشيوس، بالمعنى الذي يجعل الإيمان بالقلب لا بالأعضاء الأخرى العاجزة عن الحركة في زمن الوباء، فها هو يدفعه الوباء إلى أن يكون صديقًا ملازما للنجوم والليل، والفجر تحديدًا ذلك الذي يهبه الطمأنينة للشمس التي سوف تشرق من جديد، كإحالة رمزية من جملة الرموز التي توشي السيرة الذاتية لتلك الأسطورة:

"بات صديقًا للنجوم وللفجر، وقال أنه من ربه قريب، لا يحجزه عنه شيء، وأنه لا يدري لم يستسلم أهل حارته للموت، ولا لم يقرون بعجز الإنسان، أليس الإقرار بعجز الإنسان كفرا بالخالق، واشتبك في أحاديث صامتة لا نهاية لها مع ماضيه"

هذه الفلسفة العجيبة التي تقرب الذات من خالقها وتجعل الائتناس به حالة صوفية تبتعد تمامًا عن مفهوم الدروشة والدخول في غمار طقوس أخرى، وتقرن بين الإيمان بالقدر وعدم الاستسلام لرياح اليأس والاتجاه كلية إلى التشبث بالحياة والوجود برغم كل عوامل الهدم والفناء التي تسيطر على الجو العام لهذا الحيز المكاني الذي صار الهروب منه نجاة، واحترازا ربما لم يكن يقينيا – بداية بفعل الانسياق والتوجيه من الحادي/ الشيخ عفرة - بأن الآتي هو الميلاد الجديد، الذي يخالف به العالم بوصلة اتجاهه إلى الفناء.

"ورغم ذلك يثمل الفجر بغبطته الوردية، وبرقص شعاع الضياء في مرح أبدي! إنه على وشك أن يسمع أصواتا، ويرى أشباحا. إنه يتمخض عن ميلاد جديد"

فهي الحالة التي تكتمل شعائرها، وأنسها بحالة الانتشاء والسكر الروحاني الذي يتعانق مع الفجر وغلالته الكاشفة عن البهجة والسرور الأبدي، والنور القادم/ الميلاد الجديد الآتي من رحم وباء أو طوفان يذهب بكل ما موجود، لكنه ربما كان كالبركان الذي يلقي بحممه، وبعد أن يهدأ يهب الكثير من الكنوز المختبئة تحت الأرض وفي طبقاتها العميقة، ربما ليكون مكافأة على هذا الفرار وهذا الامتثال للروحانيات، التي إن تحققت، تحققت معها المعجزات والأساطير في هذا الحيز، ليكون بشيرًا بانبثاق الحياة من عمق الفناء:

"ويرسخ الإغراء في أعماقه وينفث أحلامًا سحرية، كما اشتاق يوما إلى الاطلاع على أسرار التكية، غير أن دار البنان قريبة، ولا حي سواه في الحارة.. ليس بينه وبين تحقيق الحلم إلا حركة، حركة مغلفة بالأمان"

فربما تحققت الأحلام، ولكن الحلم الأكبر هو حلم النجاة، حلم الأمان، حلم إرادة عبور الوباء، ربما لتعطي تلك الحالة الإبداعية نموذجا لفلسفة عبور الأزمة والانطلاق منها نحو الحياة، تلك الفلسفة المضنية التي صار حتما على الإنسان أن ينتهجها ليخرج منها بخلق جديد، وميلاد جديد ربما تحققت فيه بعض الاستيعاضات أو الهبات التي تعطي للوجود معنى التجدد، فهي نظرة كونية لمواجهة طارئ من طوارئ الكون ومستجداته ونوازله وتحدياته، فهنا يستشرف النص السردي هذه الإحداثيات التي تتجدد لتعطي – في كل مرة – آليات وأبعاد جديدة للتعامل معها، وإن كان بهروب الإنسان وعزله حتى يحصل على أمانه.