فبراير بلا رأس
في سياق النقاش حول مقولة "القانون لا يحمي المغفلين"، يتبين أن النظر إليها من الزاوية القانونية يثبت بطلانها ويكشف عن مغالطة جوهرية، فالقانون، كما هو متعارف عليه، لا يُشرّع ليخدم فئة دون أخرى، وإنما يهدف إلى إبطال تصرفات ناقصي الأهلية، مثل المعتوه والسفيه، إذا كانت تلك التصرفات ضارة، ويعمل على حماية المجني عليهم من جرائم الاحتيال والاستغلال. هذا هو المفهوم القانوني الحقيقي الذي يؤكد أن القانون في أصله أداة لضمان العدالة وحماية الحقوق، وليس أداة للانتقام أو لتمييز فئة معينة.
أما على الصعيد الواقعي، وفي عالمنا الثالث، فإن الصورة تختلف تمامًا، فالقوانين، برغم جاذبيتها ومنظورها المنصف، غالبًا ما تكون أداة لحماية الدولة ومؤسساتها أكثر من حماية المواطن، خاصة في ظل أنظمة تفتقر إلى الشفافية والعدالة الاجتماعية. لذلك، فإن الكثير من المواطنين يجدون أنفسهم ضحايا لسياسات قانونية غير عادلة، أو غير فعالة في حماية حقوقهم.
وفي سياق هذا الحديث، والمقصود من خلال ذكرى ثورة فبراير، تتجلى إشكالية نجاح وفشل الثورات والتي فشلت في تحقيق أهدافها المرجوة. لا يهم كيف سقطت الثورة، بل النتائج التي ترتبت عليها، فهي التي تحدد مدى نجاحها أو فشلها، فالشعب، في النهاية، لا يرحم المغفلين، ولا يتعاطف مع الذرائع، وإنما يقيس الأمور وفق النتائج الملموسة من الاستفادة العامة، وليس وفق كيفية سقوط الثورة أو الظروف التي أدت إلى ذلك. إذن، فإن النظرة الواقعية تفرض على المتبصر أن يميز بين الطرح القانوني المثالي والواقع المرير، حيث يكون النجاح هو الذي يحدد مستقبل الأوطان، والفشل هو درس قاسٍ يفرض على الجميع إعادة تقييم المسارات والسياسات.
الدولة الرخوة
حكمت الدولة العثمانية ليبيا رسميا منذ عام 1551 وحتى تنازلها عنها لإيطاليا بموجب معاهدة لوزان عام 1911، والتي اتسمت بالاحتلال الاستغلالي الذي غيب فيه إرادة الشعب الليبي وأدخل البلاد في نفق من الفقر والتخلف والجهل والأمراض.
لم تترك هذه الحقبة أثرا حضاريا أو نهضويا يذكر، بل كانت مرحلة من التردي والتدهور، حتى جاء الاحتلال الإيطالي الذي ارتكب مجازر مروعة بحق الشعب المنكوب التائه الحائر، ليستمر قرابة اثنين وثلاثين عامًا، لكنه في الوقت ذاته خلف آثارًا معمارية وشبه ملامح دولة رغم التناقضات.
وفي خضم هذا الصراع، جاءت بريطانيا لتحسم المعركة، وتساعد الليبيين على هزيمة المحتل الإيطالي، فتمكن الشعب الليبي من نيل استقلاله النسبي مع تدشين أول مملكة ليبية في تاريخها بقيادة الملك إدريس. كانت تلك المرحلة قصيرة الأمد، حيث شهدت ليبيا نوعًا من النهوض، ولكن سرعان ما انتهى كل ذلك لتعود الفوضى إلى البلاد، وتدهور الأوضاع بانقلاب 1969 بقيادة الملازم معمر القذافي، الذي أسس لحقبة جديدة من الفوضى والجمود.
وقد أدخلت سياساته البلاد في حالة من الانغلاق والانعزال عن العالم، وانتشار الفساد والفقر، وتحول هذا السلوك إلى ثقافة مجتمعية متجذرة، أنتجت جيلًا مقموعًا، حتى طرق باب الثورة عام 2011، وأسقط نظام القذافي، لكن دون أن يكون هناك مشروع أو رؤية واضحة لإدارة المرحلة الانتقالية، حتى أصبح المشهد أسيرًا لمصطلحات الديمقراطية الرومانسية، متناسياً الإرث الحضاري والعنفواني الذي تكونت فيه الشخصية الليبية وهويتها التاريخية منذ الحقبة العثمانية، مما أدى إلى استمرار حالة الفوضى والانقسام كسلوك يعتبره الليبيون طبيعيًا. إن فهم تاريخ ليبيا لا يكون إلا من خلال استحضار هذا التراث بشكل صريح، والاستفادة من دروسه لبناء مستقبل يستعيد هوية ليبية جديدة، يعيد فيها بناء الدولة على أسس من الوطنية والوعي، بدلًا من التكرار المفرط لنماذج الفشل التي طالما أُعيد إنتاجها عبر قرون من الزمن من تدخل خارجي وترك الجهل النخبوي يحدد المسار، ليفتح أبوابًا ومساحات فارغة يقفز فيها السفهاء لتحديد مصير الدولة.
الوضع الراهن بعد 4 قرون
لا شك أن تاريخ ليبيا الحديث يعد قصيرًا، إذ لم يتجاوز استقلالها 75 عامًا، مقارنة بدول أوروبا ذات التاريخ العريق. ومع ذلك، لا يجب أن يقارن الوضع الليبي باستمرار بدول أوروبا أو حتى بالدول الصناعية المتقدمة فقط، بل من الأجدى النظر إلى نماذج أخرى أكثر قربًا من واقع ليبيا، مثل دول الخليج، حيث تتباين المفارقات بشكل جذري، وتبرز فوارق هائلة في مستوى النجاح والفشل على جميع المستويات.
لقد تمكنت بعض دول الخليج خلال العقود الخمسة الماضية من تحقيق نجاح اقتصادي وتنموي باهر، وذلك عبر اعتماد مسارات تنموية بعيدة عن المسار الديمقراطي التقليدي، كما حدث في ليبيا عام 2011. وهذا لا يعد عيبًا بحد ذاته، بل يعكس قدرة هذه الدول على استيعاب مفهوم التركيبة القبلية، ودمجه بشكل استراتيجي مع متطلبات الحداثة والعصرنة، من خلال منظومة حوكمة مرنة وفعالة أدت إلى نتائج ملموسة على مستوى التعليم والبنية التحتية والتعايش السلمي.
ونتيجة لذلك، نشأ جيل متعلم، يتمتع بثرواته، ويعيش في استقرار أمني، وهو ما يقف عكس الحالة الليبية، التي تأثرت بشكل كبير بالدور القبلي والجهوي، والذي لا يميز بين السلم والعنف، ويختزل الانتماء في الثأر والصراعات، ويزيد من تعقيد الأزمة الوطنية.
أما حقبة القذافي، فهي بمثابة مرحلة أعادت إحياء موروث الماضي، ولكنها أفرزت في ذات الوقت عداءً مفرطًا للعالم، حيث أظهرت ليبيا كدولة متشنجة ومنعزلة، تفتقر إلى القوة أو التأثير على المستويين الإقليمي والدولي. في الواقع، يبدو أن ضعف ليبيا لا يقتصر على مستوى العالم فحسب، بل يمتد أيضًا إلى محيطها الإقليمي، مما يعكس حقيقة أن التحديات التي تواجهها أكبر من مجرد خلافات سياسية أو أزمات مؤقتة، وإنما تتصل بجذور عميقة في بنية الدولة ووعي المجتمع.
هذه المقارنة تبرز أن النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بمدة الاستقلال أو بالموارد، وإنما بقدرة الدولة على بناء منظومة متماسكة، تستهدي بمصلحة شعبها وتواكب العصر، بعيدًا عن الانقسامات القبلية والجهوية التي غالبًا ما تعيق التقدم، وتبقي ليبيا في دائرة الضعف والتوتر.
المراجعة الفكرية
شهدت الساحة الليبية منذ عام 2005 محاولات متنوعة لفهم وتفسير الدين في خطواته السياسية، حيث برزت مراجعات دينية على يد بعض التيارات، وعلى رأسها المدعو الصلابي، إلا أن هذه المراجعات لم تتجاوز إطار النقاش الديني العقيم والصراعات العقائدية التي لم تفض إلى بناء دولة حديثة ومتقدمة. بل على العكس، غاصت البلاد في مستنقع الصراعات الدينية المستوردة، التي زادت من تعقيد المشهد وأدت إلى تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية.
وفي ظل هذا المشهد، جاء مشروع الكرامة ليضع حدًا لهذه المهزلة بيد من حديد، منطلقًا من إدراك عميق لخطورة الاستمرار في هذه الحالة، ومؤكدًا أن الملف الأمني هو خط أحمر لا يقبل التهاون، وأن الشعب الليبي بحاجة ماسة إلى وقفة جادة لإنهاء العبث وإعادة بناء الدولة على أسس وطنية قوية، بعيدًا عن النزاعات الدينية والصراعات الإيديولوجية.
أما فيما يخص شكل نظام الحكم، فهو أمر إداري بحت، ويجب أن يُترك للعقلاء خياراته في اختيار آليات الحوكمة المناسبة، فالتأخير والتقهقر الذي أصاب ليبيا يعود بشكل كبير إلى استمرار الأفكار الدينية المتطرفة والوردية المستوردة بنقل الديمقراطية بشكل آلي وليس بشكل واقعي، مما أهدر فرص التقدم والتنمية. فهل أدركنا الدرس وهل آن الأوان للخروج من عنق الزجاجة "زجاجة الحاج الزروق المتخلف الذي واكبنا منذ قرون نتيجة القمع الذي مورس عليه".
الوقت يداهمنا، والأعداء يتربصون، ولا بديل أمامنا سوى الانخراط مع العالم، والتعايش السلمي، مع ابتكار هوية ليبية جديدة يسودها الوعي والسلام. علينا الاستفادة من تجارب الشعوب التي خرجت من أتون الأزمات، سواء كانت داخلية أو خارجية، وتحقيق نهضة حقيقية تضع مصالح الوطن والمواطنين في المقدمة، بعيدًا عن الأوهام والصراعات العقائدية التي لا تخدم سوى أعدائنا.