واقع القانون الدولي ومستقبله

المشكلة اليوم لا تبدو في القوانين الدولية نفسها، بل هي واقعاً في كيفية استعمالها واستغلال الظروف لتطبيقاتها عنوة بمسارات خاطئة.

يمر القانون الدولي وتشريعاته الخاصة والعامة بأزمة وجودية، وهي سابقة خطرة تهدد العلاقات الدولية ومنظماتها العالمية والإقليمية، وتكاد تطيح اليوم بالأسس التي قامت عليها قواعد الأمن والسلم الدوليين، التي أسهمت في تنظيمها وتقويمها الأمم المتحدة، والتي ارتضت معظم دول العالم -صغيرها وكبيرها- بما حاكته المعاهدات والاتفاقيات الشارعة لبنية العلاقات الدولية وقضاياها.

ومآسي القانون الدولي اليوم بما يواجهه من خرق وتجاوز لقواعد دفعت البشرية أثماناً كبيرة للتوصل إليها، لكنها لم تكن يوماً موضع احترام وقبول، بل إن الدول عامة كانت ولا زالت تنتظر أي فرصة سراً وعلانية لتجاوز قواعده، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بما يسمى سيادة الدولة؛ وعليه ظلت قواعده مجرد شعارات براقة لا معنى لها واقعياً في ظل تنامي قوة بعض الدول اللامتناهية، واستعمالها المفرط لوسائل القوة بلا ضوابط أو حتى بتناسب القوة والحالات المنفذة عليها.

فحتى في الفترات التي شهدت توازناً نسبياً بين الدول الكبرى، لم يحترم القانون الدولي، حيث انتشرت الحروب والصراعات الإقليمية الواسعة، بل ثمة من يقول إن تداعيات وآثار هذه الحروب في عهد الأمم المتحدة -مثلاً- فاقت بأضعاف ما سبقها من أزمات، وبخاصة إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية؛ فالأزمات الإقليمية انتشرت بشكل مفرط، مما دفع بالدول إلى المضي في إنشاء وتكوين المنظمات الإقليمية والقارية ذات الطابع الأمني والعسكري بهدف مواجهة المخاطر المحتملة، بل بعضها انفجر وترك أيضاً أزمات وصراعات ممتدة، بعضها لا زال إلى اليوم دون تحديد ضوابط أو قواعد لحلها.

وفي الغوص بمضامين القانون الدولي وواقعه، يسجل بنية قانونية ارتكزت أساساً على فلسفة السلم وضرورة فرضه وليس حفظه فقط، لكن الواقع والوقائع خلاف ذلك تماماً، وهو في الأساس نابع من تجاوز الدول ورغبتها المفرطة في عدم البقاء تحت حكمه وتشريعاته، وظلت في معظم الحالات تعتبره وديعة تقف خلفها وتأخذ وتطبق منها ما يتلاءم ويتوافق مع تطلعاتها ومصالحها.

لقد ظل القانون الدولي كصورة نمطية يعبر عن حجم القوى في الأحلاف الدولية إبان الثنائية القطبية، لكن تداعيات الأحادية القطبية أوجدت صوراً وأنماطاً مختلفة ومتباعدة لعلاقات الدول وكيفية تفاعلها مع القوانين الدولية، وهو في الواقع أمر طبيعي باعتبار أن القوة المهيمنة على النظام العالمي قادرة على استبعاد أو تحييد أطر القوانين الدولية في معظم الحالات، بل تكييفها وفقاً لمصالحها وإطلاقها كما تريد.

لم تسلم منطقة في العالم من النزاعات والحروب وما نتج عنها من آثار، وربما أهمها بروز القانون الدولي دون مظاهر احترام، بل مظاهر استبعاد؛ فقد ظهر في العقد الأخير من القرن العشرين -مثلاً- كم هائل من الصراعات والحروب في الشرق الأوسط، وفي أوروبا (الأزمة اليوغسلافية)، عدا عن أزمات دول القارة الأفريقية ووسط آسيا. باختصار، ما حدث في ذلك العقد كان عبارة عن تأسيس واقع أقسى حدة في الربع الأول من الألفية الثالثة، حيث بات القانون الدولي بمثابة شاهد زور على تجاوزات وجرائم لا حدود لها، بدءاً من اجتياحات دول واحتلالها كنموذج احتلال الكويت الذي أدى إلى احتلال العراق لاحقاً، ثم الأزمة الأوكرانية وقيام روسيا بضم شبه جزيرة القرم ودخولها في حرب لا أفق لها، بل تداخلت فيها أزمات إقليمية، وبدت الشرعية الدولية في أسوأ صورها. وما جرى ويجري اليوم من حروب ومجازر موصوفة وموثقة، يعتبر صورة عن عدم قدرة القانون الدولي للتعامل مع تلك القضايا، ذلك عدا عن الأزمة الفنزويلية، وقضية جزيرة غرينادا والأزمة الإيرانية والقضية الفلسطينية.

ثمة انهيار غير معلن لقواعد القانون الدولي، ما يثير أسئلة جوهرية حول مستقبل قواعد الشرعية الدولية ومدى قدرة العودة إليها والعمل بها. والأخطر حالياً ثمة تهميش واضح وواسع -مثلاً- لدور الأمم المتحدة من خلال انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من خمس وعشرين منظمة تابعة لمؤسسات الأمم المتحدة، وهو مظهر يبدو سلبياً لمستقبل وفاعلية الأمم المتحدة في القيام بدورها، أقله المناط بها رسمياً في ميثاقها. وربما السؤال الأهم الذي يُثار بقوة: هل إن المجتمع الدولي قادر على التخلي عن الأمم المتحدة وما تشكله -على الأقل نظرياً- من بيئة ضابطة إلى حد ما في تنظيم وضبط العلاقات الدولية وقضاياها؟ بتقديرنا مهما يكن دور الأمم المتحدة عبر القوانين الدولية يبدو هزيلاً، فإن وجوده والعمل به يبقى أفضل الممكن في ظل انعدام البدائل أولاً، وعدم وجود قوى دولية قادرة على مواجهة الانحدارات المتسارعة للقوانين الدولية.

وفي الواقع، برأينا أن المشكلة اليوم لا تبدو في القوانين الدولية نفسها، بل هي واقعاً في كيفية استعمالها واستغلال الظروف لتطبيقاتها عنوة بمسارات خاطئة، وهو أمر يتطلب مزيداً من الوعي والمسؤولية من كافة الدول الكبرى المؤثرة في النظام العالمي. إن تجربتي الشخصية كأستاذ جامعي للقانون الدولي تظهر حجم المعاناة التي لا حدود لها، وبخاصة عند الحصص التعليمية الأولى، حيث صعوبة إقناع سامعينا بالقانون الدولي وأهميته في تنظيم الجماعات والدول، وضرورة الحفاظ عليه، باعتبار أن البديل عنه هو أسوأ وأكثر قساوة. إن أول سؤال نُسأل فيه: هل هناك قانون دولي؟ ومن هنا تبدأ المشكلة الكبرى في إقناع الآخرين به!