من مضيق هرمز إلى خط جيهان… ومن دخان طهران إلى أنين بغداد
لم يعد الشرق الأوسط يعيش أيامه العادية، ولا أسابيعه المألوفة، ولا حتى أزماته التقليدية التي اعتاد أن يخرج منها إلى أزمة أخرى، فهذه المرة، تبدو المنطقة وكأنها دخلت زمناً مختلفاً، زمناً تُقصف فيه العواصم، وتُستهدف فيه الرؤوس الكبيرة، وتُغلق فيه المضائق، وتضطرب فيه الأسواق، بينما تتراجع السياسة إلى الصفوف الخلفية تاركةً الساحة لصوت النار وحده. وفي خضم هذا المشهد، لم تعد الحرب بين إيران وخصومها مجرد عنوان لنزاع إقليمي، بل صارت عنواناً لمرحلة كاملة من التحول العنيف الذي قد يغيّر وجه المنطقة لسنوات طويلة قادمة.
ومنذ اللحظة التي خرجت فيها الحرب بين إيران وخصومها من إطار الضربات المحسوبة إلى فضاء الاستهدافات الكبرى، كان واضحاً أن الشرق الأوسط قد دخل طوراً مختلفاً من الصراع؛ طوراً لا تُقاس خطورته بحجم الدمار وحده، بل بقدرته على تفكيك التوازنات القديمة، وزعزعة المعادلات التي حكمت المنطقة لسنوات طويلة. فمع اتساع رقعة القصف، وتزايد استهداف القيادات، وتعطّل الممرات الحيوية للطاقة، لم تعد المنطقة أمام جولة عسكرية عابرة، بل أمام منعطف تاريخي قد يعيد تعريف القوة والنفوذ وحدود الدولة نفسها.
فما كان قبل أسابيع يُقرأ في خانة "التصعيد المدروس"، صار اليوم يُكتب بمداد الدم والنار في خانة الحرب المفتوحة. حربٌ لم تعد محصورة داخل العمق الإيراني، ولا على خطوط الاشتباك التقليدية، بل تمددت كالنار في هشيم الشرق الأوسط، فطالت الخليج، ولامست العراق، ووضعت قواعد الاشتباك القديمة في مهب الريح، فيما تتسارع المؤشرات على تورط غربي متزايد، سواء عبر الغطاء السياسي، أو التموضع العسكري، أو المهام الأطلسية القائمة في المنطقة، من دون أن يعني ذلك حتى الآن إعلاناً صريحاً لحرب شاملة باسم حلف الناتو.
ومع ذلك، فإن مجرد تحرك قوات أطلسية وإعادة انتشارها في المنطقة، بالتوازي مع الدعوات الغربية لتأمين الملاحة بعد شلل مضيق هرمز، يكفي للدلالة على أن الحرب دخلت بالفعل ممراً دولياً شديد الحساسية.
لكن الأخطر من اتساع رقعة النار، هو أن هذه الحرب لم تعد تستهدف البنية العسكرية فحسب، بل أخذت منحىً أخطر: استهداف بنية القرار السياسي نفسه.
فحين تُضرب القيادات الكبرى، وتُصفّى أسماء ثقيلة من الصف الأول في معادلة الحكم الإيراني، فإن الرسالة لا تعود عسكرية فقط، بل تصبح رسالةً إلى "عصب الدولة" و"ذاكرة النظام" و"غرفته الداخلية". والتقارير الدولية تتحدث بوضوح عن مقتل المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي في بداية الحرب، ثم لاحقاً عن مقتل علي لاريجاني وشمخاني، بما مثّله هؤلاء من ثقل سياسي وأمني وتوازني داخل الجمهورية الإسلامية، وسط أحاديث عن محاولة تضييق الخيارات أكثر ضد طهران وتزايد قبضة المؤسسة الأمنية والعسكرية على القرار. وهذا وحده كافٍ لأن نفهم أننا لا نقف أمام جولة قصف عابرة، بل أمام حرب تستهدف إعادة تشكيل مركز السلطة في إيران نفسها.
ومن هنا، فإن السؤال لم يعد: هل الحرب تتسع؟ بل صار السؤال: إلى أي مدى ستتغير المنطقة بعد هذه الحرب؟
إن مقتل القيادات العليا، أو استهدافها، لا يعني فقط إرباك غرف العمليات، بل يعني أيضاً أن الدولة الإيرانية – بكل ثقلها التاريخي والعقائدي والمؤسساتي – قد دخلت مرحلة الحرب الكبرى: مرحلة ارتباك بين الطرفين الإيراني وخصومه، وتضخم نفوذ العسكر في أروقة القرار، وتراجع مساحات المناورة السياسية بين الدول المتحاربة، وتآكل المرونة التي كانت تسمح للجانبين بأن يقاتلوا ويتفاوضوا في الوقت نفسه؟ أمّا اليوم، فإن المعادلة تبدو أكثر قسوة: فكلما ضاقت دائرة الحرب، اتسعت دائرة الخطر.
غير أن الحرب، كما علمتنا تجارب التاريخ، لا تُقاس فقط بما تفعله الصواريخ في الثكنات، بل بما تفعله في الخبز، والرواتب، والموانئ، والعملة، وأعصاب الشعوب. وهنا بالتحديد يطل شبح الكارثة الأكبر: الاقتصاد.
لقد كان مضيق هرمز دائماً شرياناً حساساً للطاقة العالمية، لكن الحرب الحالية حوّلته من ممرّ بحري إلى عنق زجاجة للاقتصاد الإقليمي والدولي. وحين يُغلق مضيق هرمز، أو يُشلّ فعلياً تحت وطأة القصف والتأمين البحري المعطل، فإن أول من يختنق ليس فقط الأسواق العالمية، بل الدول التي بُنيت ميزانياتها على افتراض استمرار تدفق النفط بلا انقطاع. وفي مقدمة هذه الدول: العراق.
فالعراق الذي يعتمد اعتماداً شبه كامل على العائدات النفطية، وجد نفسه فجأة أمام أزمة مالية خانقة، بعدما تعطلت قدرة موانئه الجنوبية على التصدير بصورة طبيعية بسبب انسداد هرمز وتكدّس التخزين وتراجع حركة الناقلات. وتقارير الأيام الأخيرة تؤكد أن بغداد لجأت إلى مسارات بديلة، ودرست أو فعّلت خيارات متعددة، أهمها إعادة توجيه جزء من النفط عبر إقليم كردستان، وصولاً إلى خط جيهان التركي، بالتنسيق مع حكومة كردستان. كما أفادت تقارير بأن اتفاقاً جرى بالفعل لتصدير نحو 250 ألف برميل أو أكثر يومياً من نفط كركوك عبر شبكة أنابيب الإقليم إلى جيهان، على أن تذهب الإيرادات إلى الخزينة الاتحادية.
وهنا، لا بد أن نتوقف… لا عند النفط وحده، بل عند الذاكرة، ففي زمن الشدائد تُعرف الدول، وتنكشف الطبائع، وتُختبر الأخلاق السياسية قبل أن تُختبر خطوط الأنابيب.
وها هي أربيل، في ظرف عراقي استثنائي، تمدّ يدها مجدداً، وتفتح ممراً من ممراتها، وتضع إمكاناتها في خدمة العراق، لا من باب المنّة، بل من باب المسؤولية الوطنية، ومن باب الفهم العميق بأن انهيار بغداد ليس انتصاراً لأربيل، بل خسارة للعراق كله.
لكن المفارقة المؤلمة، بل الجارحة، أن هذه اللحظة تستدعي إلى السطح سؤالاً قديماً لم يبرأ بعد: أين كانت بغداد حين كانت كردستان تختنق؟
حين اجتاح تنظيم داعش مدناً عراقية كاملة، وتحولت كردستان إلى ملاذ آمن لمئات الآلاف، بل لملايين النازحين من مختلف المحافظات، لم تُغلق أربيل أبوابها، ولم تسأل الهاربين من الموت عن قومياتهم أو طوائفهم أو انتماءاتهم. استقبلت، وآوت، وشاركت، ودفعت أثماناً اقتصادية واجتماعية وأمنية باهظة.
وفي الوقت نفسه، كانت الذاكرة الكردية تُسجل بمرارة أن بغداد قطعت ميزانية الإقليم، وعلّقت الحقوق المالية، وجعلت الموظف الكردي والمواطن الكردي يدفعان ثمن صراع سياسي لا ذنب لهما فيه، حتى تحولت الرواتب إلى ورقة ضغط، وتحول “الاستحقاق الدستوري” إلى “مزاج سياسي”، وتحول قوت الناس إلى أداة مساومة.
ومن الجدير بالذكر أنه عندما قطعت الحكومة الاتحادية العراقية رواتب موظفي إقليم كردستان، وُضع المواطنون أمام ضغوط معيشية قاسية للغاية، بينما استمرت الرواتب في الوصول إلى مناطق كانت تحت سيطرة مسلحي تنظيم داعش!! هذا القرار أثار استنكاراً واسعاً، واعتُبر نموذجاً صارخاً على ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين في التعامل مع مواطني إقليم كردستان. وإذا عُرف السبب بطل العجب؟
وهنا تبرز العبارة الخالدة بكل قسوتها: قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق لأن قطع الراتب ليس مجرد إجراء مالي؛ إنه طعنٌ في كرامة الإنسان، وإنهاكٌ للأسر، وتفكيكٌ للثقة، وتكريسٌ لشعور مرير بأن المواطنة في العراق كثيراً ما تُقاس بمعيار السياسة، لا بمعيار الدستور.
ومن أكثر ما يثير الأسى، بل السخرية السوداء، أن الإقليم الذي عوقب مالياً في ذروة حربه ضد الإرهاب، ووسط تحمّله أعباء النازحين والجبهات المفتوحة، هو نفسه الذي يعود اليوم ليفتح شرياناً اقتصادياً للعراق في زمن اختناق النفط.
وهنا لا يكون السؤال اقتصادياً فقط، بل أخلاقياً وسياسياً: كيف يُعاقَب من يسند الدولة حين تنهار، ثم يُطلب منه اليوم أن ينقذها من جديد؟
إن هذه الحرب، في حقيقتها، لم تفضح هشاشة الممرات النفطية فقط، بل فضحت أيضاً هشاشة العقل السياسي العراقي حين يتعامل مع الإقليم بعقلية الشكّ، لا بعقلية الشراكة؛ وبعقلية العقوبة، لا بعقلية الدستور؛ وبعقلية المركز المتضخم، لا بعقلية الدولة الاتحادية.
ولذلك، فإن أي خطاب تهديدي أو انفعالي يصدر من هذا المسؤول أو ذاك ضد إقليم كردستان، على خلفية توصيف لغوي أو بيان سياسي أو استخدام عبارة مثل “حكومة بغداد” أو “حكومة أربيل”، لا يعكس قوة الدولة، بل يعكس افتقار الدولة إلى الحكمة. واليوم، عندما يخرج إلينا سياسي (تحت التمرين) بخطابٍ مشحون، يلوّح فيه بإصبعه مهدِّداً، في مشهدٍ لا ينسجم مع مقتضيات الموقع الذي يشغله، ولا مع الحياد المفترض في شخصية من يفترض به أن يكون ممثلاً للمؤسسة التشريعية، لا محامياً للحكومة أو طرفاً في خصومة سياسية، فبدل أن يرفع مستوى الخطاب إلى مقام الدولة، بدا وكأنه يخاطب خصماً سياسياً بلغة الوعيد، لا مكوّناً دستورياً يفترض أن يُخاطَب بمنطق الشراكة والاحترام المتبادل.
فالمؤسسات الرصينة لا تُدار بردود الفعل، ولا تُختزل في حساسيات لفظية، بينما البلد يترنح على حافة أزمة مالية، والمنطقة كلها تحترق.
ثم إن الإنصاف يقتضي القول: وفي المقابل، إذا كان البعض يتحسس من تعبير “حكومة بغداد”، فليتذكروا كم مرة استُخدم تعبير “حكومة أربيل” في بيانات وخطابات رسمية اتحادية، وكم مرة جرى – للأسف – القفز على التسمية الدستورية الواضحة لإقليم كردستان، والاكتفاء بتعابير باردة من قبيل “شمال العراق”، وكأن المسألة مجرد توصيف جغرافي، لا كيان دستوري اتحادي مثبت في أعلى وثيقة قانونية في البلاد. إن منطق الدولة لا يقوم على ازدواج المعايير. ومن يطالب بالاحترام، عليه أن يبدأ بممارسته. ومن يريد لغة اتحادية، فعليه أن يتحدث بعقل اتحادي. أما أن تُستحضر النصوص حين تخدم الخصومة، وتُنسى حين تستدعي العدالة، فذلك ليس دفاعاً عن الدولة، بل إساءةٌ لها.
لقد أثبتت الوقائع، مرةً بعد مرة، أن كردستان لم تكن عبئاً على العراق، بل كانت في اللحظات الحاسمة صمام أمان له:
في السياسة، حين تشكلت حكومات كثيرة في أربيل أو انطلقت من تفاهمات فيها.
وفي الأمن، حين وقفت البيشمركة سداً أمام تمدد داعش في أكثر من جبهة، ومنعت سقوط مناطق حساسة، وأسهمت في حماية كركوك، ومساندة معارك التحرير، وتهيئة الأرض لاستعادة الموصل ومدن أخرى.
وفي الاجتماع، حين تحولت مدن الإقليم إلى مأوى للعراقيين جميعاً بلا تمييز.
وفي الاقتصاد، حين يُفتح اليوم خط جيهان كنافذة نجاة للعراق في واحدة من أخطر أزماته المالية المعاصرة.
وهنا، لا بد من قول الحقيقة بلا مجاملة: الدولة التي لا تحفظ الجميل، تضعف أخلاقياً من حيث القيم والمبادئ قبل أن تضعف سياسياً. والنظام السياسي الذي يحوّل الشراكة إلى ابتزاز، والحقوق إلى أوراق مساومة، إنما يزرع في جسد العراق مزيداً من الشكوك والمرارات، ويعمّق الفجوة بين المركز والإقليم، بدل أن يبني الثقة التي يحتاجها بلد متعدد، متعب، ومثخن بالأزمات.
إن الحرب الدائرة اليوم بين إيران وخصومها لا تهدد حدود الدول فقط، بل تهدد أيضاً معنى الدولة نفسها في منطقتنا.
فحين تشتد شرارة الحرب ضد طهران، ويُختنق النفط في الخليج، ويُستنزف العراق بين جغرافيا النار وخلافات الداخل، يصبح السؤال الحقيقي ليس من ربح جولة القصف، بل من الذي ما زال يفكر بعقل الدولة، لا بعقل الثأر؟ وفي هذا الاختبار الصعب، تبدو الصورة واضحة لمن يريد أن يرى: هناك من استعاض عن الحجة بإصبع الوعيد والتهديد لا بمنطق الدولة! وهناك من يسامح لأن القضية هي الوطن، والوطن هو القضية.
وهناك من يلوّح بالعقوبة، وهناك من يقدّم النجدة. وهناك من يختزل الوطن في المركز وهناك من يفهم أن الوطن أكبر من كرسي، وأوسع من خطاب، وأبقى من نزوة سياسية عابرة. لقد دخلت الحرب فعلاً مرحلة جديدة.
مرحلة لم تعد تُقاس فيها القوة بعدد الطائرات فقط، بل بعدد الجسور التي تبقى قائمة وسط الحريق. وفي زمن الحرائق الكبرى، لا يُذكر في التاريخ من صرخ كثيراً، بل من أطفأ النار، وفتح الباب، ومنع السقوط. ولذلك، فإن ما يجري اليوم ليس مجرد فصل جديد في حرب إيران وخصومها، بل هو أيضاً امتحان عراقي داخلي: هل تتعلم بغداد من الكارثة، فتعيد تعريف علاقتها بأربيل على أساس الدستور والشراكة والاحترام المتبادل؟ أم تعود، بعد انقشاع الدخان، إلى اللغة القديمة نفسها: لغة الشك، والعقاب، والإنكار؟
إن اللحظة أخطر من أن تُدار بالأهواء، وأكبر من أن تُختزل في سجالٍ لفظي، فالمنطقة كلها تعبر فوق حقل ألغام، والعراق ليس بحاجة إلى من يفتح جبهة داخلية جديدة، بل إلى من يفهم أن الوحدة الحقيقية لا تُبنى بالقسر، بل بالإنصاف… وأن الشراكة الحقيقية لا تُقاس بالشعارات، بل بمن يقف معك حين يضيق هرمز، وتشتد الحرب، ويختنق الوطن.