هدنة تحت الرماد وصمت يترقب الاحتمالات

الهدنة لم تكن تنازلًا مجانيًا من أي طرف، بل كانت اعترافًا ضمنيًا بأن كلفة الاستمرار أصبحت أعلى من مكاسب التصعيد.

في الشرق الأوسط، لا تأتي الهدنات دائمًا بوصفها انتصارًا للعقل، بل كثيرًا ما تولد من رحم الخوف، وتُكتب بحبر القلق، وتُعلَّق فوق خرائط ملتهبة لم تبرد نارها بعد. ومن هذا الباب تحديدًا، يمكن قراءة وقف إطلاق النار الجاري بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى؛ لا باعتباره خاتمة لصراعٍ بلغ نهايته، بل باعتباره فصلًا مؤقتًا من فصول مواجهة أكبر، قررت الأطراف أن تؤجل انفجارها الكامل، لا أن تنهي أسبابها العميقة.

إن هذه الهدنة، في جوهرها السياسي، ليست سلامًا مكتمل الأركان، ولا مصالحة ناضجة بين خصوم أنهكتهم الحرب، بل هي أقرب إلى استراحة اضطرارية فرضتها كلفة النار حين ارتفعت إلى حدٍّ بات معه استمرار القتال أكثر خطرًا من التراجع خطوة إلى الوراء، فحين تدرك القوى الكبرى والإقليمية أن الصاروخ التالي قد يفتح أبوابًا لا تُغلق، وأن الشرارة الصغيرة قد تتحول إلى حريقٍ يلتهم المنطقة بأكملها، تصبح الهدنة خيارًا واقعيًا، ولو كانت النفوس ما تزال مشبعة بروح المواجهة.

ولعل أول ما تكشفه هذه التهدئة أن لا أحد خرج منتصرًا بالمعنى الحاسم، فإسرائيل، رغم آلاتها العسكرية ودعمها الأميركي، تعرف أن الحرب مع إيران ليست معركة تقليدية يمكن حسمها بضربة واحدة أو بعملية محدودة، لأن المسألة لا تتعلق بجبهة واحدة، بل بشبكة نفوذ، ومجال ردع، ومسرح إقليمي واسع يمتد من البحر إلى البر، ومن الأمن العسكري إلى الطاقة والاقتصاد والممرات الدولية. والولايات المتحدة، مهما بلغت قوتها، تدرك أن الانزلاق إلى مواجهة شاملة في هذه المنطقة ليس قرارًا عسكريًا فحسب، بل مغامرة سياسية واستراتيجية باهظة الثمن.

وفي المقابل، فإن إيران، برغم خطاب الصمود وقدرتها على امتصاص الضربات والرد عليها، تعلم جيدًا أن الحرب الطويلة ليست مجرد اختبار عسكري، بل استنزاف متعدد الطبقات: في الاقتصاد، وفي الداخل، وفي الحلفاء، وفي صورة الدولة التي تريد أن تبدو قوية دون أن تُستدرج إلى معركة قد تُستنزف فيها أكثر مما تُربك خصومها. ومن هنا، لم تكن الهدنة تنازلًا مجانيًا من أي طرف، بل كانت اعترافًا ضمنيًا بأن كلفة الاستمرار أصبحت أعلى من مكاسب التصعيد.

غير أن أخطر ما في هذه الهدنة أنها قامت على توازن الخوف لا على توازن الثقة. وهذا فارق جوهري لا يجوز تجاهله، فالسلام الحقيقي يُبنى حين يتوفر حدٌّ أدنى من القناعة المشتركة بأن التسوية أفضل من الصراع، أما الهدنة الحالية فأساسها أن كل طرف يخشى أن تجرّه الضربة التالية إلى حربٍ مفتوحة لا يمكنه التحكم بنهاياتها. ولهذا فإنها تبدو، من حيث الشكل، صمتًا عسكريًا، لكنها من حيث الجوهر صمتٌ مسلّح، متوتر، قابل للكسر في أية لحظة. ومن هنا، فإن الاحتمالات السياسية لما بعد الهدنة تبدو مفتوحة على أكثر من مسار.

أول هذه المسارات، وهو الأكثر واقعية، أن تتحول الهدنة إلى تمديدات متتالية، بحيث لا نكون أمام سلام شامل، بل أمام إدارة للصراع بدلًا من تفجيره. هذا السيناريو ينسجم مع طبيعة المنطقة، حيث كثيرًا ما تختار القوى المتصارعة أن تُبقي النار تحت الرماد، لا أن تطفئها تمامًا. وفي هذه الحالة، سنكون أمام حالة من "التهدئة المحسوبة": لا حرب شاملة، ولا تسوية نهائية، بل خطوط حمراء جديدة، ورسائل ردع متبادلة، ووساطات تتحرك كلما اقتربت المنطقة من الحافة.

أما المسار الثاني، فهو صفقة الحد الأدنى؛ أي تفاهمات محدودة لا تُنهي العداء، لكنها تضبطه. كأن تتوقف الضربات المباشرة، وتُرسم قواعد اشتباك جديدة، ويُترك الباب مواربًا أمام ترتيبات أمنية وسياسية غير معلنة بالكامل. مثل هذه الصفقات لا تصنع سلامًا تاريخيًا، لكنها قد تنتج "استقرارًا باردًا" يحفظ ماء الوجه للجميع، ويمنع الانفجار الكبير.

لكن المسار الثالث يظل حاضرًا بقوة، وربما هو الأكثر خطورة: انهيار الهدنة وعودة القتال، فالهدنة الهشة لا تحتاج إلى قرار كبير كي تسقط؛ قد يكفيها خطأ في الحساب، أو عملية غير منضبطة، أو اغتيال، أو ضربة عبر حلفاء ووكلاء، أو حتى اختلاف في تفسير بنود التهدئة.

وفي صراعات من هذا النوع، كثيرًا ما لا تسقط الهدنات لأن القادة أرادوا الحرب، بل لأن الميدان سبق السياسة، ولأن حادثًا تكتيكيًا صغيرًا تحوّل إلى انفجار استراتيجي واسع.

أما الحديث عن سلام حقيقي بين إيران من جهة، وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى، فهو يظل احتمالًا ضعيفًا في المدى القريب، لا لأن الأطراف تفتقر إلى القنوات الدبلوماسية فحسب، بل لأن جذور الصراع أعمق من أن تُحلّ في هدنة عابرة، فهناك الملف النووي، والنفوذ الإقليمي، والعقوبات، وأمن إسرائيل، ودور الحلفاء، وصراع الرؤى على شكل المنطقة نفسها. وهذه ليست ملفات قابلة للإغلاق ببيان تهدئة أو مصافحة بروتوكولية. إن السلام هنا ليس مستحيلًا، لكنه مؤجل إلى حين تتغير موازين الإرادة، لا موازين القوة فقط.

والخلاصة أن الهدنة الراهنة لا ينبغي أن تُقرأ بعين التفاؤل الساذج، ولا بعين التشاؤم المطلق، بل بعين الواقعية السياسية، فهي ليست سلامًا، لكنها قد تفتح بابًا إلى تفاهمات أوسع. وليست نهاية للحرب، لكنها قد تمنعها من التحول إلى كارثة إقليمية. إنها، ببساطة، هدنة الضرورة: لحظة قررت فيها الأطراف أن تؤجل الحسم، لأنها عجزت عن تحقيقه، وأن تستدعي السياسة، لأن النار اقتربت من ابتلاع الجميع.

في هذه المنطقة، كثيرًا ما تكون الهدنة مجرد استراحة بين جولتين، لكن أحيانًا، حين تتعب البنادق، وتفشل الصواريخ في صناعة اليقين، يصبح الصمت نفسه حدثًا سياسيًا كبيرًا. والسؤال الآن ليس: هل توقفت الحرب؟ بل: هل تعلمت الأطراف من كلفة الاقتراب من الهاوية؟ فإن كان الجواب نعم، فقد تمتد الهدنة وتكبر السياسة. وإن كان الجواب لا، فربما لا نكون أمام سلام مؤجل، بل أمام حرب مؤجلة… تتربص بموعدها القادم.