كُردستان المكلومة جغرافياً وقود لصراع الأباطرة
دخلت المواجهة بين إيران من جهة، وتل أبيب وواشنطن من جهة أخرى، نفقًا مظلمًا تجاوز سياقات 'قواعد الاشتباك' التقليدية التي حكمت العقد الماضي، لتنتقل إلى مرحلة ارتطام مباشر وعنيف. لم يعد الحديث اليوم يدور حول مفاوضات متعثرة في الغرف المغلقة، بل ستخلفه أصداء الانفجارات التي ترسم خارطة طريق جديدة للدمار.
الدبلوماسية ستستبدل لغتها بصوت الصواريخ الخارقة للتحصينات، تلك التقنية التي لا تهدف فقط لضرب أهداف عسكرية، بل لتقويض البنية التحتية لإيران، في محاولة لترجمة تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإعادة البلاد إلى "العصر الحجري" إلى واقع ملموس على الأرض.
هذا التحول الجذري يعكس قناعة في واشنطن وتل أبيب بأن استراتيجية "الاحتواء" قد ماتت، وأن البديل هو الإضعاف الشامل الذي يستهدف مفاصل الدولة الإيرانية الحيوية. استخدام أسلحة نوعية تفتت التحصينات الجبلية والمنشآت تحت الأرض يمثل إعلانًا صريحًا عن بدء مرحلة تجريد القوة الإيرانية.
وقد يكون الرد الإيراني متوقعًا، لكنه لن يكتفي؟ بل يرتفع سقف الردّ مع توسعة رقعة الحرب لتشمل مناطق لم تُمس من قبل، مستهدفة البنية الاقتصادية والسياسية لكل الدول القريبة، وهو ما يجعل الشرق الأوسط برمته على فوهة بركان لا يمكن التنبؤ بلحظة ثورانه.
التطور الأخطر في هذا المسار هو أن الضربات لن تكون عمليات تكتيكية عابرة، بل جزء من خطة استراتيجية لتفكيك البنية الأساسية للدولة الإيرانية. تقارير إعلامية سابقة أكدت وتؤكد المضيّ قدماً في استخدام قاذفات أميركية من طراز B-2 كقنابل خارقة للتحصينات ضد مواقع عسكرية تحت الأرض، بالتزامن مع اتساع نطاق الضربات نحو منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية داخل إيران.
الخطاب الأميركي، خصوصًا تهديدات ترامب المباشرة باستهداف محطات الكهرباء والجسور والمنشآت الاقتصادية، يكشف أن الحرب لم تعد ضد البرنامج النووي أو الحرس الثوري، بل ضد الدولة الإيرانية بوصفها بنية عسكرية تشغيلية واقتصادية وفكرية.
إيران، وبحسب طبيعة نظامها المتعنت وخاصة حين تُلامس أركان بقائه، طبعاً لا تصمت، بل تتعمد قدر المستطاع إلى فتح ساحات جديدة للاشتباك يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى جبهات رئيسية، فالهجمات السابقة التي طالت منشآت إقليمية حساسة، ومنها استهداف مجمع الجبيل البتروكيميائي في السعودية، توضح أن طهران تريد أن تقول إن أي محاولة للتضييق عليها داخليًا ستقابل برد اقتصادي وأمني شامل على المنطقة بأسرها.
في قلب هذه الحرب متعددة الطبقات، تقع كُردستان العراق المكلومة جغرافياً. الإقليم الكُردي الآمن والذي لم يكن في يوم من الايام طرفًا في أي صراع بل ملاذاً آمنا لكل الاطياف والمكونات خاصة الهاربين من بطش الارهاب لكنه أصبح فجأة ساحة اختبار وحقلًا تجريبيًا للصراع وللقوة الاستراتيجية للأباطرة.
مدن كُردستان وأربيل، على وجه الخصوص، لم تعد مجرد عاصمة هادئة نسبيًا، بل أصبحت هدفًا متكررًا للصواريخ والطائرات المسيّرة، سواء بذريعة ضرب مصالح أميركية أو استهداف معارضين أكراد إيرانيين، أو رسائل من فصائل مسلحة مرتبطة بطهران. تقارير محلية ودولية تتحدث عن مئات الهجمات على الإقليم منذ فبراير/شباط الماضي، مع سقوط قتلى وجرحى ونزوح المدنيين، دون أن تتحرك الحكومة العراقية بشكل جدي لوضع حد لهذه الانتهاكات.
العجز الحكومي عن حماية الإقليم يطرح أسئلة أخلاقية وجيوسياسية كبيرة: إلى متى ستظل مناطق غير طرفية تدفع ثمن الصراعات الكبرى؟ كيف يمكن للمجتمع الدولي حماية المدنيين حين تصبح مدنهم وقودًا للحروب الاستراتيجية؟ الصمت العراقي يبدو وكأنه تواطؤ ضمني، فالإصدار المتكرر لبيانات فضفاضة أو الاختباء خلف التوازنات الداخلية لا يوقف صواريخ لا يُملك السكان الحق في الاعتراض عليها.
ويظهر تسليح الصراع الحديث تحول الحرب من ردع محدود إلى إنهاك حضاري طويل المدى. الصواريخ الخارقة للتحصينات، الهجمات على المنشآت البتروكيميائية، استهداف محطات الطاقة والجسور، كلها أدوات ضغط استراتيجية لتفكيك الدولة الإيرانية، وفي الوقت نفسه تجعل المدنيين في إيران واسرائيل ودول الخليج والعراق وفي اقليم كُردستان ضحايا يوميين لنوايا ولعبة القوى الكبرى. ك
ُردستان ليست مجرد منطقة جغرافية؛ إنها مختبر الحرب النفسية والاستراتيجية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية على أرواح الأبرياء. ومن منظور عسكري وتحليلي، من المتوقع أن تشهد المنطقة في المرحلة المقبلة التطورات التالية:
1 تصعيد متزايد في الهجمات الجوية والصاروخية، مع احتمال استخدام أسلحة دقيقة أكثر تطورًا تستهدف المنشآت المدنية والاقتصادية لتوليد ضغط استراتيجي على إيران وحلفائها.
2 توسيع رقعة الاشتباك نحو الداخل العراقي، خصوصًا المناطق الكُردية، كجزء من استراتيجية الردع الإيراني ضد التحركات الأميركية الإسرائيلية.
3 مواجهات بالوكالة عبر ميليشيات محلية، حيث تصبح أربيل وكُردستان ساحة لتجريب أساليب قتالية جديدة، مثل الطائرات المسيّرة الصغيرة والقنابل الذكية.
4 استمرار عجز الدولة العراقية عن حماية المدنيين، مما يفتح الباب أمام زيادة النزوح الداخلي وتفاقم الأزمة الإنسانية.
سياسيًا، ما يحدث في كُردستان العراق يوضح ضعف منظومة الأمن الإقليمي، ويكشف هشاشة التحالفات المحلية أمام صراع الأباطرة، لذا فالمجتمع الدولي ملزم بالتحرك، ليس فقط لفرض وقف فوري للانتهاكات، بل لتقديم دعم حقيقي لحماية المدنيين ومنع المنطقة من الانزلاق إلى جحيم دائم.
في المحصلة، كُردستان المكلومة لم تعد مجرد منطقة غير طرفية، بل أصبحت رمزًا لمعاناة المدنيين ومرآة لحجم الأزمة الإقليمية. الصراع بين إيران وأميركا وإسرائيل أصبح صراعًا متعدد الطبقات: اقتصادي، عسكري، نفسي، واستراتيجي، والضحايا من الأبرياء هنا ليسوا مجرد أرقام، بل مدن وأحياء تهددها الصواريخ والقنابل، ومستقبل شعب كله على المحك. وإن لم يحدث تدخل دولي جاد يوقف هذا الانزلاق، فإن المنطقة لن تواجه فقط دورة تصعيد جديدة، بل مرحلة تاريخية من الفوضى المنظمة، تُستنزف فيها الشعوب، وتُكسر فيها الدول، وتبقى كُردستان مستهدفة عسكرياً ومعلقة بين التهديدات وصمت الحكومات، ووحشية الصواريخ، كرمز لمأساة الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين.