نظريّة 'العمق المعكوس': العراق بوابة لإيران وواشنطن مظلة لإسرائيل
لم يعد العالم المعاصر يُدار دائماً بمنطق الاحتلال التقليدي، حيث تعبر الجيوش الحدود وتُرفع الأعلام فوق العواصم، بل بات يُدار بصورة أكثر تعقيد وخطورة، إذ تتحول الدول أحياناً إلى فضاءات نفوذ، وتغدو العواصم ساحات لمصالح قوى خارجية من دون أن يسقط شكل الدولة رسمياً، ومن دون أن تُعلن الوصاية مباشرة. وفي هذه الحالة لا يشعر كثيرون بأن السيادة قد تآكلت إلا بعد أن يصبح القرار الوطني عاجزاً عن الحركة خارج إرادة الآخرين.
من هنا تبدو المقارنة بين العراق الحالي (باستثناء كُردستان) وبين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية مقارنة صادمة في ظاهرها، لكنها عميقة في جوهرها. فكما تحول العراق في بنيته السياسية والأمنية والاقتصادية إلى ما يشبه الحديقة الخلفية لإيران، تبدو الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، ومعها عواصم غربية مثل لندن وباريس بدرجات متفاوتة، وكأنها المجال الحيوي السياسي والاستراتيجي لإسرائيل. وليس المقصود التبعية الساذجة، بل أن أولويات هذه العواصم كثيراً ما يُعاد تعريفها بحيث يصبح أمن إسرائيل جزءاً من بنية القرار فيها.
العراق بعد عام 2003 لم يسقط فقط في فراغ سياسي، بل في فراغ سيادي. وعندما يسقط بلد بهذا الحجم في فراغ السيادة، فإن الجار الأكثر تنظيماً وصبراً وقدرة على الاستثمار في الفوضى يصبح المرشح الطبيعي لملء ذلك الفراغ. هذا ما فعلته إيران بمهارة وطول نفس. فهي لم تدخل العراق كقوة غازية بالمعنى الكلاسيكي، لكنها دخلته من أبواب السياسة والمذهب والسلاح والحدود والتجارة والطاقة، ثم استقرت فيه بوصفها شريكاً لا يمكن تجاوزه، ولاعباً لا يمكن تجاهله، ومرجعية غير معلنة يصعب الاصطدام بها من دون كلفة كبيرة.
نجحت طهران في جعل العراق، أو معظمه، مجالاً حيوياً غربياً لها؛ فضاءً تتقدم فيه مصالحها الأمنية قبل أن تصل التهديدات إلى حدودها، وساحة تُدار فيها رسائل الردع الإقليمي، ومعبراً لوجستياً وسياسياً واقتصادياً يربط مشروعها الممتد من طهران إلى البحر المتوسط. والأخطر ليس وجود الفصائل المسلحة أو التأثير في الحكومات، بل أن الدولة العراقية باتت تتحرك ضمن هامش مرسوم، بحيث يصبح القرار العراقي ممكناً فقط ما دام لا يصطدم بجوهر المصلحة الإيرانية.
ولأن النفوذ لا يكتفي بالشعارات، فقد بنت إيران نموذجاً متكاملاً يجمع بين الأمن والاقتصاد والخدمات والجغرافيا السياسية. فعندما تصبح الكهرباء رهينة الغاز القادم من الخارج، وتتحول أزمات الطاقة إلى أداة لإرباك الشارع وإضعاف الحكومة، فإن المسألة تصبح سيادية. وحين تكون الحدود منفذاً تجارياً ومصرفياً حيوياً، ويغدو العراق متنفساً لإيران أثناء العقوبات والضغط، فإن العلاقة تتجاوز الجوار إلى الوظيفة. وحين تتحول الأرض العراقية إلى ساحة ردع غير مباشر، فإننا أمام دولة مثقلة باعتماد بنيوي يجعل فك الارتباط مكلفاً. واستثناء كُردستان ليس تفصيلاً جغرافياً، بل ملاحظة سياسية؛ لأنه احتفظ بهامش أكبر من التنويع والانفتاح على الغرب، وبقدر من الاستقلالية جعله أقل اندماجاً في المجال الحيوي الإيراني.
في المقابل، لا تبدو واشنطن حديقة خلفية لإسرائيل بالمعنى الحرفي، فهي القوة الأعظم في العالم. لكن الدول الكبرى قد لا تُقاد من الخارج بالقوة، بل تُعاد برمجة أولوياتها من الداخل، بحيث تصبح مصالح الحليف الأصغر جزءاً من المصلحة القومية الكبرى. وهذا ما نجحت إسرائيل في تحقيقه عبر عقود طويلة.
تمكنت عبر التحالف المؤسسي، والتشابك العسكري والاستخباري، والذاكرة الأخلاقية الغربية المرتبطة بالمحرقة، وقوة اللوبيات، وحضورها المكثف في السردية السياسية والإعلامية، من أن تجعل أمنها جزءاً من عقيدة الأمن القومي الأميركي في الشرق الأوسط. وهنا وظيفة النفوذ الإسرائيلي؛ فهو لا يعمل فقط عبر الضغط المباشر، بل عبر هندسة البيئة التي يُفهم من خلالها الشرق الأوسط كله. فإيران تُقرأ بوصفها تهديداً لإسرائيل، ولبنان عبر حزب الله، وسوريا عبر التموضع الإيراني، والعراق عبر الفصائل، والبحر الأحمر عبر أمن الملاحة، وكأن تل أبيب لم تعد مجرد حليف، بل عدسة يُعاد عبرها تفسير الإقليم.
أما أوروبا، وخصوصاً لندن وباريس، فهي وإن حرصت أحياناً على إظهار مسافة دبلوماسية، إلا أنها غالباً ما تعود إلى سقف التحالف الأطلسي عبر واشنطن، ثم ينعكس في صورة انحياز استراتيجي واضح لإسرائيل. فالعواصم الأوروبية الكبرى أسيرة طبقات متراكبة: الذاكرة الأخلاقية، الاعتماد الأمني على المظلة الأميركية، هواجس الداخل الأوروبي، والإحساس بأن إسرائيل موقع متقدم للمصلحة الغربية. ولهذا تبدو أوروبا أقل قدرة على إنتاج سياسة مستقلة، وأكثر ميلاً لإعادة إنتاج المنطق الأميركي – الإسرائيلي.
ومع اندلاع الحرب ضد إيران، انكشفت البنية العميقة لهذا المشهد. فالحروب لا تصنع الحقائق من الصفر، بل تكشف ما كان مستتراً. العراق وجد نفسه يدفع ثمن موقعه لا قراره، ويتحمل ارتدادات صراع أكبر منه، من الطاقة إلى الأمن إلى احتمالات الانفجار الداخلي، لأن من يتحول إلى ساحة نفوذ لا يملك ترف الحياد. وفي المقابل، بدت واشنطن وبعض العواصم الأوروبية وكأنها لا تتعامل مع الحرب باعتبارها نزاعاً إقليمياً، بل اختباراً مباشراً لأمن إسرائيل، الأمر الذي يعيد إنتاج المشهد ذاته: العراق يتحمل تبعية لإيران، والغرب يعيد ترتيب أولوياته تحت سقف حماية إسرائيل.
أخطر ما في الصورة ليس وجود النفوذ بحد ذاته، بل تحوله إلى وعي سياسي مستبطن داخل الدولة. حين يُعاد تعريف المصلحة الوطنية العراقية بحيث لا تتجاوز الخطوط الإيرانية، أو يُعاد تعريف الاستقرار في واشنطن ولندن وباريس بحيث يبدأ وينتهي بأمن إسرائيل، فإننا نكون قد تجاوزنا مرحلة التأثير العابر، ودخلنا مرحلة أخطر: مرحلة مصادرة تعريف المصلحة نفسها. هنا لا يعود السؤال: من الأقوى، بل من يملك حق تحديد الأولويات ومن يرسم الخطوط الحمراء ومن يجعل الآخرين يدفعون كلفة معاركه.
إن إيران في العراق لم تنتصر لأنها الأقوى فقط، بل لأنها وجدت دولة مكسورة وبيئة منهكة ونخبة قابلة للاختراق، فحوّلت الجوار إلى وصاية مقنّعة. وإن إسرائيل في واشنطن وبعض العواصم الأوروبية لم تنتصر لأنها أكبر من الغرب، بل لأنها أتقنت فن تحويل نفسها إلى ضرورة استراتيجية وأخلاقية وأمنية داخل العقل الغربي. بين الحالتين يبرز الدرس: ليس كل بلد يفقد سيادته يُحتل، وليس كل قرار يُصادَر يُنتزع بالقوة. أحياناً يكفي إعادة تشكيل الدولة أو وعيها، حتى تبدو مستقلة بينما هي في الحقيقة تدور داخل مدار غيرها.
وفي هذا المعنى، فإن مأساة العراق اليوم لا تكمن فقط في النفوذ الإيراني، كما أن أزمة الغرب لا تكمن فقط في انحيازه لإسرائيل، بل في أن الطرفين، كل بطريقته، يقدمان للعالم نموذجاً مخيفاً لعصر جديد من السيطرة؛ عصر لا تُلغى فيه السيادة رسمياً، بل تُفرغ من مضمونها، ولا تُسقط فيه الدول بالاحتلال المباشر، بل تُستنزف حتى تصبح، بهدوء وعلناً، حدائق خلفية لمشاريع الآخرين .