السلطة لا تحتاج حقيقة بل حكاية تُصدق وجمهوراً متعباً يبارك
تصبح الحدود أكثر من خطوط على الخريطة في مسلسل مولانا وهو من كتابة لبنى حداد وإخراج سامر البرقاوي ومن بطولة تيم حسن والسيدة القديرة منى واصف وغيرهم. إذ تصبح قرية العادلية في ريف دمشق ليست مهمة جغرافياً لأنها تلامس الحدود التي تثير علامات استفهام كبرى، بل لأنها تتحول إلى رمز للسلطة والضعف البشري بعد الحرب. وهي نقطة التقاء الأرض، العائلة، الجماعة، الرموز الدينية، والتاريخ الشخصي للناس.
وما بين هذه المكونات تحرك سامر البرقاوي في رسالة شكسبيرية ساخرة لكنها ناطقة ضمنياَ بالمعنى الحقيقي للسلام الحقيقي الذي لا يتم بالاتفاقات ولا بالتعويضات، بل بالاعتراف بالخسارة والكرامة.
والعيلة تُستعمل كشعار، لكنها في الواقع أداة ضغط وصراع وقد نجحت الكاتبة لبنى حداد في نقل عقلية ما بعد الحرب حيث لا منتصر حقيقي، فقط مطالبون بحقوق متناقضة.
ومولانا هو صوت انكسرت لديه كل المرجعيات القانون، الأخلاق، العائلة، الدولة، وحتى فكرة الاستسلام للقدر حتى النهاية، فمن يملك الحق في تعريف الحق "نحن مندفع دم وشهداء وجرحى وتعتير" وهذه أعلى شرعية وغير قابلة للنقاش وغير قابلة للتعويض وغير قابلة للقياس بالمال. فمن ينزف يملك. فهل شرعية الورق باردة ولا تعترف بالمعاناة؟
الحدود في العادلية ليست جداراً، بل شجرة زيتون مباركة، ساحة عامة، خطاً وهمياً، مسرحاً للسلطة والبركة، وهي تعكس كل الحكاية التاريخية عن معنى مولانا، الذي لم يعد مجرد شخصية، بل وظيفة سردية شكسبيرية، فمولانا لا يملك السلطة؛ بل يُصوّر كقوة عبر تصديق الآخرين، وكل حركة أو قرار على حدود العادلية الرمزية يصبح اختباراً لهذه القوة. فالحدود تمثل خطاً وهمياً بين الداخل والخارج، بين من يملك القرار ومن يُرغم على الطاعة، بين الأرض المادية والقدرة على التحكم في الرأي الجمعي. والعقيد الذي يتحدث عن الأرض والورق والسلطة، هو في الحقيقة تنحصر حركاته ضمن الحدود الرمزية التي يفرضها التاريخ، الجماعة، والتقاليد. وكأن الكاتبة تريد أن تقول للمشاهد في هذه الحلقة تحديداً لا يمكن حل صراع ما بعد الحرب بالأوراق ولا بالمال ولا بالخطابات العائلية لأن الجرح لم يُعترف به أصلاً فهل من استحالة للعدالة بعد الخراب؟ وهل من يبقى حيا بعد الحرب لا يعني أنه نجا؟
سامر البرقاوي تحرك في رسالة شكسبيرية ساخرة لكنها ناطقة ضمنياَ بالمعنى الحقيقي للسلام الحقيقي الذي لا يتم بالاتفاقات ولا بالتعويضات، بل بالاعتراف بالخسارة والكرامة
مولانا يصبح محور هذه الحدود لأنه الشخصية التي تقرر الجماعة أنها ستحميها أو تبني حولها طقوسها، كما في العبارة "إذا رفع إيده عالسما بيطلع عفو" هذا يذكّر بمسرح شكسبير حيث الخطوط الجغرافية ليست إلا أداة لإبراز القوة، الفساد، والولاء الجماعي كما في ماكبث والملك لير حيث القلاع والجبال والحدود تعكس ليس فقط الموقع، بل النفوس والانقسامات. فهل الأرض ليست قيمة في حد ذاتها، بل مكان اختبار السلطة والقدرة على التحكم بالمجتمع؟ وهل تتحول العادلية إلى أداة درامية مزدوجة الوظيفة من اختبار القوة واختبار الصدق أو التصديق؟ أم هذا يقودنا مباشرة إلى دور مولانا؟
مولانا لا يتحرك داخل الدراما كشخص مستقل، بل كرمز مصوّر من خلال تصديق الآخرين وحتى تصديق نفسه. حيث هو على حدود العادلية القرية الحدودية، فيصبح مولانا محور تصديق الجماعة واختبار للولاء وعامل تهدئة للصراع الداخلي كما في قول شهلة التي تقوم بدورها الممثلة نور علي "بدك تصدق إن الله عطاك شي ما حدا عطاه"، تمثل النبوءة بدل العقيدة، كما في ماكبث، فالسلطة الحقيقية ليست بيد من يرفع السلاح، بل بيد من يُصدّق كلامه ويقدّسه الآخرون، أي الجماعة نفسها. وقرية العادلية تصنعه، وتحدد من هو داخله ومن هو خارجه، ومن يُبارك ومن يُدان. كل خطوة على هذه الحدود تحمل معنى مزدوج مثل البركة والسلطة، التصديق والتحقق، الولاء والخيانة. وإعلان عيد العدلية في ساحة العادلية هو الحدود المكشوفة بين الماضي والحاضر، بين البركة والواقع القاسي، وفي الحلقة الخامسة حيث تبدأ الخيوط الشكسبيرية تتضح ما بين الهزل والجد والحكمة المغلفة بالتاريخ الذي يخرج منه جد مولانا ليوحد الجماعة حول رمز واحد وهذا نوع من الأداة السياسية التي تربط حضور الناس بالشرعية الرمزية والسخرية هنا الناس يصدقون الطقس بينما يعرفون داخلياً أن كل شيء ملفّق والحدود مع العسكر تتحوّل إلى فضاء لإعادة إنتاج السلطة والهويات الجماعية. فهل أهل العادلية شريك في صناعة الحدث الذي يتشكل أمام المشاهد كأنه أمام خشبة مسرح شكسبير في عصر حديث وهو أتى ما بعد الحروب؟
الانتقال الأخطر هو من الحق إلى الوعد "عندك سلاح أقوى من الدنيا كلها. عندك الوعد والحق عندك مولانا" وهذا يشكل انقلاباً بنيوياً ففي البداية الحق يساوي الأرض والدم أم في هذا القول الحق هو وعد وشخص هو مولانا وهذا ليس إيمانا، بل نقل للعبء فحين تعجز الذات، تبحث عن سلطة مطلقة لا تُناقش ولا تُحاسب ومولانا ليس شخصية دينية فقط بل جامع شتات وضامن معنى ومانع انهيار "نحن بحاجة لحدا يجمعنا على كلمة واحدة" والكلمة ليست حقيقة بل مسكن وهي كلمة تمنع الناس من الانهيار لا من الظلم أما قول منى واصف "رجعيلون أيام البركة رجعيلنا عيدنا" وهذا يُشكل سلام شكلي بمعنى آخر لغة ترميم نفسي لا إصلاح واقعي وبهذا تكون الكاتبة قد أدخلتنا في مرحلة من الوعي. فهل حين تفشل السياسة نلجأ للدين؟ وهل من تفاوض قذر بعد سقوط القيم في الحروب؟ وهل الفقراء ليسوا ضحايا بل أدوات أو رصيد بؤس للاستعمال؟ وهل شهلة هي سمسار مرحلة انتقالية وظيفتها تدوير الخراب لا إصلاحه؟
حقيقة الحلقة الخامسة فجرت الكثير من علامات الاستفهام التي تترك الذهن في حالة توتر وأهم ما في هذه الحلقة أن الكاتبة لا تطلب تعاطف المشاهد بل تجبره على رؤية القبح كما هو وبقسوة ناعمة "بدك تكون واحد من الناس" وهذه بحد ذاتها خديعة كبرى لأنها لا تعني المساواة ولا القرب الحقيقي بل تعني أن تكون فوقهم شكلياً وهي تقنية سلطوية معروفة جداً بمعنى التواضع المصطنع، والطغيان لا يولد فجأة بل يُصنع خطوة خطوة باسم الحق باسم الله باسم الناس والأخطر أننا في مولانا نترقب كيف يتحول الإنسان المجروح إلى أداة قمع دون أن يشعر فاللحظة التي يصدق فيها الإنسان أنه مُختار هي لحظة بداية الخراب الكامل . فهل التقديس الشعبي في مولانا تعني أن الخطورة ليست في الطموح بل في التصديق؟ وهل السلطة لا تحتاج حقيقة بل حكاية تُصدق وجمهوراً متعباً يبارك؟ وهل الكاتبة في هذه الحلقة الخامسة تحديدا كأنها لا تقول بسخرية سوداء احذروا مولانا بل تقول احذروا حاجتكم إليه؟