رمضان ينعش الحرف التقليدية بالمغرب

مع حلول الشهر الفضيل، تستعيد ورش الفخار والجلود والأثواب في المدن العتيقة بالمغرب حيويتها، مدفوعة بارتفاع الطلب المحلي والسياحي، في وقت يواصل فيه القطاع أداء دوره الاقتصادي والاجتماعي بتشغيل ملايين الحرفيين والحفاظ على الموروث الثقافي رغم تحديات المنافسة وتراجع إقبال الشباب.

الرباط - مع إطلالة شهر رمضان، تتغير ملامح المدن العتيقة في المغرب، وتدبّ الحياة من جديد في ورش الحرفيين ومحالهم الصغيرة. في الأزقة الضيقة المتعرجة، يتصاعد وقع المطارق على النحاس، وتفوح رائحة الجلود المدبوغة، وتتلألأ ألوان الأثواب التقليدية، في مشهد يعكس عودة الروح إلى قطاع عريق يشكل أحد أعمدة الهوية المغربية.

رمضان ليس مجرد مناسبة دينية، بل موسم اقتصادي واجتماعي تنتعش فيه الصناعة التقليدية، مع تزايد الإقبال على المنتجات اليدوية التي تحمل بصمة الأصالة وجودة الصنع المتوارثة عبر الأجيال. ويُعد هذا القطاع ركيزة مهمة في الاقتصاد الوطني، إذ يشغل نحو 2.7 مليون صانع وصانعة، أي ما يقارب 22 في المئة من اليد العاملة، أغلبهم في المناطق القروية، وفق معطيات رسمية، كما يساهم بنحو 7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

في شارع القناصل بالمدينة العتيقة للعاصمة الرباط، ينهمك الحرفي محمد لكعص في إنجاز قطع جلدية بعناية ودقة، مستفيدًا من ارتفاع الطلب خلال الشهر الفضيل. يصنع الأحزمة والحقائب وعلب الحفظ وحتى جلود مقاعد السيارات، عبر مراحل متعددة تبدأ باختيار الجلد وتنتهي بلمسات التشطيب الأخيرة.

ويؤكد أن جودة المنتَج ترتبط أساسًا بعملية الدباغة، التي تُعد مرحلة حاسمة في تحديد متانة الجلد وجماليته. ويستعين الحرفيون بجلود مغربية، وأحيانًا مستوردة من بلدان مثل البرتغال وإيطاليا، لضمان تنوع المواد وتحسين الجودة.

ووفق دليل "مرجعيات الحرف والمهن" الحكومي، يضم المغرب نحو 150 حرفة، منها 100 في الصناعة التقليدية الإنتاجية و50 في الصناعة التقليدية الخدماتية، ما يعكس ثراءً مهنيًا متنوعًا يمتد من الفخار والزليج إلى النسيج والخشب المنقوش.

بين الاستمرارية وتحديات البقاء

رغم هذا الزخم، تقف العديد من الحرف عند مفترق طرق، في ظل عزوف بعض الشباب عن تعلم المهن التقليدية أو رفضهم مواصلة مسار الآباء والأجداد. ويشير لكعص إلى أنه تعلم الحرفة على يد "المعلم"، أي الحرفي الخبير، في تقليد مهني عريق يقوم على التدرج والصبر واكتساب المهارة بالممارسة.

غير أن المنافسة الشرسة من المنتجات الصناعية منخفضة التكلفة، إلى جانب التحولات الاجتماعية، تهدد بعض الحرف بالاندثار. وفي مارس/آذار 2024، أعلنت السلطات المغربية عن برنامج يمتد على مدار العام للحفاظ على 32 حرفة مهددة بالانقراض، في خطوة تهدف إلى صون هذا الموروث الثقافي وضمان استمراريته.

ورغم ارتفاع أسعار المواد الأولية، يسعى الحرفيون إلى الحفاظ على استقرار الأسعار، عبر تقليص هوامش أرباحهم لضمان استمرار الإقبال. فهناك شريحة واسعة من المغاربة، إضافة إلى السياح الأجانب، تقدر قيمة المنتَج التقليدي باعتباره يجمع بين الوظيفة والجمال والرمزية الثقافية.

وقد بلغت مبيعات الصناعة التقليدية الموجهة للسياح خلال عام 2025 نحو 10 مليارات درهم (قرابة مليار دولار)، فيما سجلت الصادرات نموًا بنسبة 11 في المئة مقارنة بعام 2024، محققة 1.23 مليار درهم، بحسب كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية.

أرقام ودلالات

في يناير/كانون الثاني الماضي، أكد لحسن السعدي، كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية، أمام البرلمان، أن القطاع يؤدي أدوارًا تتجاوز البعد الاقتصادي، إذ يساهم في صون الهوية الثقافية وتثمين الموروث الحضاري المغربي.

وأشار إلى أن صادرات الصناعة التقليدية تجاوزت 1.11 مليار درهم عام 2024، تصدرتها منتجات الفخار بنسبة 36 في المئة، تلتها الزرابي (السجاد اليدوي التقليدي) بنسبة 20 في المئة، ثم الملابس التقليدية بنسبة 13 في المئة. كما تصدرت الولايات المتحدة قائمة الدول المستوردة بنسبة 44 في المئة، تلتها فرنسا (14 في المئة) وإسبانيا (7 في المئة).

ويعمل القطاع اليوم ضمن مقاربة شاملة تهدف إلى التأهيل والتحديث، بما يمكن الحرفيين من مواجهة المنافسة ومواكبة تحولات السوق، مع تحسين ظروف العمل والعيش. وقد بلغ عدد المسجلين في السجل الوطني للصناعة التقليدية نحو 440 ألف صانع وصانعة، فيما استفاد أكثر من 660 ألفًا من التسجيل في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

هكذا، يشكل رمضان فرصة سنوية تتجدد فيها الصلة بين المغاربة وتراثهم الحرفي، حيث تتحول الصناعة التقليدية من مجرد نشاط اقتصادي إلى مساحة حية لحفظ الذاكرة الجماعية وصناعة الجمال اليومي بروح متوارثة لا تزال تقاوم عوامل التغيير.