الأمن العراقي يستنفر تحسبا لاقتحام المنطقة الخضراء

الحكومة العراقية تدفع بتعزيزات إضافية إلى المنطقة، مع سد كافة المنافذ الفرعية المؤدية للجسر المعلق.

بغداد - تخيم حالة من الاستنفار الأمني القصوى على العاصمة العراقية، حيث تحولت الطرق المؤدية إلى "المنطقة الخضراء" الدولية إلى ثكنة عسكرية مدججة بالتعزيزات. وتأتي هذه التحركات الاستباقية في أعقاب زلزال إقليمي أحدثته الضربات الأميركية - الإسرائيلية التي استهدفت العمق الإيراني، وأسفرت عن مقتل المئات، في مقدمتهم المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ونخبة من القادة العسكريين؛ الأمر الذي فجّر موجة غضب عارمة في الشارع العراقي، لاسيما بين الفصائل والمحتجين المناهضين للوجود الأميركي.

وأفادت مصادر أمنية رفيعة المستوى بوصول تعزيزات قتالية ولوجستية إضافية إلى منطقة "الجسر المعلق"، الذي يعد الشريان الحيوي ومنفذ العبور الرئيس نحو قلب المنطقة الخضراء، حيث تقع السفارة الأميركية والمقار السيادية الحساسة. وشملت الإجراءات نصب كتل كونكريتية عملاقة وسد كافة المنافذ الفرعية المؤدية للجسر، بالإضافة إلى تكثيف تواجد قطعات متنوعة الصنوف لتأمين المحيط الحيوي، وسط تحليق للمراقبة لضمان سرعة الاستجابة لأي طارئ.

ويعكس هذا الاستنفار توجساً حكومياً من اتساع رقعة الاحتجاجات وزيادة أعداد المتظاهرين الغاضبين خلال الساعات المقبلة.

ولم يكن هدوء صباح اليوم الاثنين في بغداد سوى ترقب مشوب بالحذر لما سيحدث، بعد ليلة "ساخنة" شهدت مواجهات ضارية بين مئات المحتجين والقوات الأمنية. واضطرت قوات مكافحة الشغب لاستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لصد محاولات متكررة للتقدم نحو بوابات الخضراء.

وأكد شهود عيان دخول عناصر مسلحة على خط التظاهرات، حيث جرى إطلاق نار وإحراق كرفانات وعجلات عسكرية تابعة للقوات المرابطة. وفي سياق الملاحقة القانونية، أكد مصدر أمني اعتقال ثلاثة متورطين بـ"أعمال شغب" وتخريب ممتلكات الدولة، مع استمرار العمليات الاستخبارية لملاحقة محرضين آخرين.

وتغذي حالة الغليان الراهنة قناعة لدى المحتجين بأن السفارة الأميركية في بغداد تمثل "الهدف الرمزي" الأبرز للرد على السياسات الغربية والضربات الأخيرة. ورغم الهجمات التي طالت آلياتها ومنتسبيها، لا تزال السلطات العراقية تشدد على التزامها بـ"أقصى درجات ضبط النفس"، ومنع استخدام الرصاص الحي ضد المدنيين، مع توعدها في الوقت ذاته بضرب كل من يسعى لجرّ الاحتجاجات السلمية نحو "منزلقات مسلحة" تهدد السلم الأهلي.

وتستحضر هذه المشاهد الذاكرة القريبة لاختراقات كبرى تعرضت لها المنطقة الخضراء، والتي أثبتت أن "قلب الدولة الحصين" ليس بمنأى عن الهزات الشعبية والفصائلية ومن بينها أحداث 2016 حين اقتحم أنصار التيار الصدري البرلمان العراقي في سابقة سياسية للمطالبة بـ"حكومة تكنوقراط"، كما تعرضت السفارة الأميركية بالعراق عام 2019 الى اقتحام، حيث لم يكتفِ المحتجون بالدخول للخضراء، بل أحرقوا أبراج حراسة السفارة وكتبوا شعارات التحدي على جدرانها، في رسالة سياسية مباشرة لواشنطن.

وكانت أحداث أغطس/آب 2022 الأكثر دموية وخطورة في تاريخ المنطقة الخضراء الحديث، حيث تحول اقتحام نفذه أنصار مقتدى الصدر من تظاهر سلمي وسباحة في مسبح القصر الرئاسي إلى اشتباكات مسلحة عنيفة بالأسلحة المتوسطة والثقيلة (RPG) بين فصائل متنافسة داخل المنطقة الخضراء. ولم يتوقف القتال إلا ببيان "تلفزيوني" حازم من الصدر أمر فيه بانسحاب الجميع خلال ساعة واحدة.

وتبقى بغداد اليوم أمام اختبار حقيقي؛ فبين محاولات الحكومة احتواء الأزمة ومنع خروجها عن السيطرة، واستمرار التحشيد الشعبي نحو "المربع الدولي"، يظل المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات في ظل أزمة إقليمية غير مسبوقة قد تعيد رسم خوارزمية الأمن في العراق والعالم.