اتساع حرب إيران يقفز بسعر النفط 8 في المئة
لندن - قفزت أسعار النفط بنحو ثمانية في المئة، مسجلة أعلى مستوياتها منذ يوليو/توز 2024، في ثالث جلسة صعود متتالية، مع تصاعد الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران واتساع رقعة الاضطرابات في إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط. وتعكس هذه القفزة مزيجا من المخاوف الجيوسياسية وتعطل الشحنات وإغلاق ممرات بحرية استراتيجية، في مقدمتها مضيق هرمز.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت 6.07 دولارات، أو 7.8 في المئة، إلى 83.81 دولاراً للبرميل، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي ستة دولارات، أو 8.4 في المئة، إلى 77.23 دولاراً. ويتجه الخامان نحو الإغلاق عند أعلى مستوياتهما منذ يوليو/تموز 2024 لبرنت ويناير/كانون الثاني 2025 للخام الأميركي، في مؤشر على تسعير الأسواق لاحتمال استمرار الأزمة لفترة أطول.
ولم يقتصر التصعيد العسكري الأخير على الضربات المباشرة، بل امتد إلى البنية التحتية للطاقة والملاحة البحرية، فقد هاجمت إيران ناقلات نفط في مضيق هرمز، بينما نقلت وسائل إعلام إيرانية عن مسؤول كبير في الحرس الثوري قوله إن المضيق مغلق، مع تحذير من استهداف أي سفينة تحاول العبور. ويمر عبر هذا الممر نحو 20 في المئة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، ما يجعله شرياناً حيوياً للأسواق العالمية.
وتفادت الناقلات وسفن الحاويات المرور عبر المضيق بعد أن ألغت شركات التأمين البحري تغطية مخاطر الحرب للسفن العاملة في المياه الإيرانية والخليجية. ورفع هذا القرار كلفة الشحن وأدخل مزيداً من الضبابية إلى سلاسل الإمداد، في وقت يتزايد فيه القلق من صراع طويل الأمد.
وطالت الاضطرابات الإنتاج أيضا، فقد خفض العراق، ثاني أكبر منتج في منظمة أوبك، إنتاجه بنحو 1.16 مليون برميل يومياً بسبب محدودية سعة التخزين وتعذر التصدير، مع تحذيرات من احتمال وقف ما يقرب من كامل إنتاجه إذا لم تُستأنف الصادرات قريباً.
وفي قطر، أوقفت 'قطر للطاقة' عملياتها في منشآت الغاز الطبيعي المسال، ما أثر على مصدر يوفر نحو 20 في المئة من الإمدادات العالمية من هذه السلعة الحيوية، كما علّقت جزءاً من نشاط التكرير.
وفي السعودية، أُوقف الإنتاج في مصفاة رأس تنورة، وبدأت المملكة إعادة توجيه شحنات النفط من موانئها الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، في محاولة لتفادي تداعيات الإغلاق في الخليج. كما شهد ميناء الفجيرة في الإمارات حريقاً جراء سقوط حطام، ما أضاف حلقة جديدة إلى سلسلة الاضطرابات في مراكز التخزين والتزود بالوقود.
وانعكست هذه التطورات على أسواق المشتقات، إذ قفزت العقود الآجلة للديزل منخفض الكبريت في الولايات المتحدة 14 في المئة إلى أعلى مستوى منذ سبتمبر/أيلول 2023، فيما ارتفعت عقود البنزين خمسة في المئة إلى 2.48 دولار للجالون، وهو أعلى مستوى منذ يوليو/تموز 2024. كما صعدت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا وبريطانيا، إلى جانب الغاز الطبيعي المسال في آسيا، في ظل مخاوف من نقص الإمدادات.
وعلى صعيد المستهلكين الكبار، بدأت مصافي التكرير الصينية في إغلاق وحدات أو تقديم مواعيد الصيانة بسبب انقطاع تدفق الخام. وتبحث الهند عن مصادر بديلة للنفط والغاز إذا استمرت الأزمة لأكثر من أسبوعين، بينما تعتزم إندونيسيا زيادة وارداتها من الخام الأميركي لتعويض تراجع الإمدادات من الشرق الأوسط.
ورغم هذا المشهد المتوتر، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه يتوقع انخفاض أسعار النفط فور انتهاء العمليات العسكرية في إيران، غير أن الأسواق تبدو أكثر تحفظاً، إذ تركز حالياً على المخاطر الفورية المرتبطة بالإمدادات والشحن، لا على الوعود بانفراج مستقبلي.
وتشير قراءة التطورات إلى أن سوق الطاقة دخل مرحلة حساسة، حيث تتحول كل ضربة عسكرية أو تصريح سياسي إلى موجة سعرية فورية. وإذا استمر إغلاق مضيق هرمز وتعطلت الصادرات الرئيسية، فقد تواجه الأسواق نقصاً ملموساً ينعكس على التضخم والنمو العالمي. وبين رهانات الحسم العسكري وآمال التهدئة، يبقى النفط المؤشر الأسرع استجابة، والمرآة الأكثر دقة لقلق العالم.