سعيد سالم والبحث عن 'الأزمنة' في 'كف مريم'

الروائي الراحل حول الإسكندرية إلى بطل درامي يعكس صراعات الطبقة المتوسطة ضد الفساد والتشوه الحضاري، مبرزا تطور رؤيته السردية من واقعية الصمود إلى النوستالجيا الفلسفية والحزينة.

تُعد مدينة الإسكندرية المحور الأساسي والمادة الخام لجلّ أعمال الروائي السكندري الراحل سعيد سالم (1943 - 2026)، حيث لم تكن مجرد مسرح للأحداث، بل تحولت إلى بطل درامي متغلغل في نسيج شخصياته.

وتتجلى الإسكندرية في رواياته من خلال  البحر كعشق أبدي يمثل في أدبه القوة الملهمة والملاذ، ووصفه في عدة مناسبات بأنه "عشقه الأكبر"، حيث يحضر كخلفية نفسية تعكس صراعات أبطاله وطموحاتهم.

كما تميزت رؤية سالم للمدينة بالتحوّل؛ فبينما كانت "محور تجربته الإبداعية" لفترة طويلة، وقد صرّح في سنواته الأخيرة بأن الإسكندرية الواقعية "لم تعد تغريه أدبيًّا" كالسابق بسبب التغيرات التي طرأت عليها، مفضلاً استحضارها من ذاكرته الوجدانية.

ويلاحظ أن سالم استخدم أحياء الإسكندرية ومؤسساتها (مثل شركات القطاع العام التي كان يعمل في إحداها وهي شركة الورق الأهلية) لتسليط الضوء على قضايا الفساد والبيروقراطية، كما في دراما "العائد" التي وظَّف فيها تفاصيل واقعية من كواليس العمل في المدينة.

وقد ركَّز في أعماله مثل رواية "استرسال" على "التقاطبات المكانية"، حيث يربط بين شوارع الإسكندرية وبين التكوين النفسي العميق لشخصياته، مما جعل المدينة فضاءً سرديًّا فلسفيًّا أكثر منه جغرافيًّا.

ومن أبرز أعماله التي حضرت فيها الإسكندرية بقوة: رواية "جلامبو" 1976، ورواية "الأزمنة" 1992، ورواية "استرسال" 2016. و"صعاليك الأنفوشي" 2019، وغيرها.

إن الإسكندرية تبرز كـ "مُعادل موضوعي" في أعمال سعيد سالم (مثل الأزمنة والعائد)، فهي لا تظهر كبطاقة بريدية سياحية، بل كمرآة للانكسارات الداخلية. والبحر عنده ليس للراحة والتأمل والاستمتاع بالسباحة، بل هو قوة جبارة توازي طموحات أبطاله وتارة أخرى تعكس ضياعهم. الإسكندرية في أدبه هي "الوطن الصغير" الذي يحاول الأبطال التصالح معه أو الهروب منه.

ويتميز سعيد سالم بقدرة فائقة على نقد المجتمع السكندري من الداخل، خاصة الطبقة المتوسطة والموظفين. حيث ركز في رواياته على البيروقراطية والفساد، واستلهم من عمله الحكومي ما يكشف كواليس المؤسسات، محوّلاً الصراع الإداري إلى صراع درامي إنساني.

كما رصد تحولات المدينة رصد - نقديًّا - "تشوه" الملامح الكوزموبوليتانية للإسكندرية وتحولها إلى غابة أسمنتية، مما جعل أدبه صرخة احتجاج ضد قبح الواقع.

وقد استخدم سالم تقنيات تبتعد عن السرد الخطي التقليدي، كما في رواية "استرسال": حيث تتعدد الأصوات، ويترك لكل شخصية مساحة لتعبر عن "إسكندريتها" الخاصة. وقد اتسمت لغته بالبساطة العميقة، حيث يمزج بين الوصف الدقيق للشوارع وبين التأمل الفلسفي في الزمن والموت.

وتتمحور رؤيته النقدية حول فكرة الزمن أو الأزمنة وهو عنوان إحدى أهم رواياته). والشخصيات عنده دائمًا في حالة صراع مع العمر أو الزمن الذي يهرب، والمدينة التي تتغير ملامحها كل فترة، مما يمنح أعماله مسحة من الشجن والنوستالجيا الواعية التي لا تكتفي بالبكاء على الأطلال، بل تحلل أسباب السقوط.

وتُعد رواية "كفّ مريم" واحدة من أهم محطات سعيد سالم الأدبية، وهي العمل الذي ثبّت أقدامه كأحد أبرز رواد الواقعية الاجتماعية في الأدب السكندري، حيث يوظف العنوان رمزية نبات "كف مريم" الشعبي، المرتبط في الوجدان الجمعي بالصبر، والخصوبة، وفتح أبواب الأمل. الرواية لا تتحدث عن الأساطير، بل عن الإنسان المصري الذي يشبه هذا النبات في قدرته على البقاء والنمو وسط الصخور والظروف القاسية. وهي تدور في فضاء سكندري يغلي بالتحولات، حيث يستعرض سالم من خلالها تآكل الطبقة المتوسطة، ورصد التحولات التي طرأت على القيم والمبادئ مقابل صعود المادية. والفساد الإداري، فهو يشرح – كعادته - "عالم المكاتب" والبيروقراطية، محولاً إياها من مجرد روتين إلى صراع وجودي يواجهه الأبطال الشرفاء. وتتميز هذه الرواية بتقديم شخصيات من "لحم ودم"، فهناك البطل المأزوم، وهو غالباً ما يكون مثقفًا أو موظفًا يواجه ضغوطًا اقتصادية وأخلاقية، ويحاول الحفاظ على نقائه وسط موجة من "التفسخ" القيمي.

وتحضر المرأة في الرواية كعنصر دفع ومساندة، وأحياناً كرمز للمدينة (الإسكندرية) التي تحتاج لمن يحمي ملامحها من الضياع.

وقد اعتمد سعيد سالم في "كف مريم" على اللغة المباشرة والعميقة، وابتعد عن التزويق اللفظي لصالح الدقة في الوصف النفسي والمكاني. إن سرده متدفق يمزج بين الحوار اليومي (السكندري) وبين المونولوج الداخلي الذي يكشف مخاوف الأبطال.

ونخلص إلى أن رواية "كف مريم" صرخة ضد الاستلاب؛ استلاب الإنسان من قِبَل المادة، واستلاب المدينة من قِبَل القبح. إنها احتفاء بـ "المقاومة الهادئة" التي يمارسها الإنسان العادي ليظل إنسانًا.

وإذا شئنا المقارنة بين "كف مريم" و"الأزمنة" كمدخل لفهم تطور رؤية سعيد سالم لمدينته، حيث تمثل كل منهما زاوية مختلفة لنفس البلورة السكندرية. فسنجد المكان في "كف مريم" يحضر ببعده الاجتماعي والواقعي. فالإسكندرية هنا هي "المجتمع" المأزوم، الشوارع التي تشهد صراع لقمة العيش، والمكاتب التي ينهشها الفساد. والتركيز ينصب على كيفية إنبات "الأمل" وسط هذا الركام الاجتماعي.

وفي "الأزمنة"، يتحول التركيز إلى البُعد الفلسفي للزمن. الإسكندرية هنا هي "التاريخ" والذاكرة. الرواية ترصد تآكل الزمن لملامح المدينة والبشر، وكأن المدينة جسد يشيخ أمام عين البطل، مما يمنحها صبغة تراجيدية أعمق.

في "كف مريم" البطل صراعه خارجي في المقام الأول؛ هو يواجه منظومة إدارية أو ضغوطًا حياتية. والمدينة بالنسبة له هي "الميدان" الذي يجب أن يثبت فيه جدارته الأخلاقية. أما بطل "الأزمنة" فصراعه داخلي ووجودي. هو يطارد إسكندرية قديمة لم تعد موجودة إلا في خياله، ويصطدم بـ "أزمنة" متداخلة تجعله يشعر بالاغتراب داخل شوارعها.

إن "كف مريم" رغم قسوة الواقع، تنتهي بنبرة فيها نوع من الإصرار والبقاء (استلهامًا من اسم النبات)، وهي رواية تدعو إلى "التمسك بالجذور". أما "الأزمنة" فتسودها نبرة النوستالجيا الحزينة. هي مرثية لزمن كوزموبوليتاني ولَّى، وانتقاد حاد للتحولات العشوائية التي طمست هوية الإسكندرية، مما يجعلها أكثر سوداوية ونقداً للواقع.

اعتمدت "كف مريم" على الخطية السردية والواقعية المباشرة التي تجذب القارئ لمتابعة مصير الشخصيات، بينما تميل "الأزمنة" إلى التكثيف واستخدام تقنيات استرجاع الذاكرة (فلاش باك) لربط الماضي بالحاضر.

ونلاحظ أن سعيد سالم كان في "كف مريم" مصلحًا اجتماعيًّا يرصد الوجع ويصف العلاج، وفي "الأزمنة" كان مؤرخًا للروح السكندرية يبكي على أطلال الجمال الذي يغتاله القبح.