سيناريوهات الهزيمة
إن خطورة الحرب الدائرة بين أميركا وإسرائيل ضد إيران لا تكمن في من سينتصر فيها، بل في من سينهزم، وفي تداعيات هذه الهزيمة على الوضع الأمني والسلام في المنطقة على وجه الخصوص. وأيًّا كانت نتائج الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، فإن الخارطة السياسية والجيوسياسية العالمية ستشهد تغييرات مهمة.
الحرب الدائرة اليوم، التي فتحت نيرانها على قادة النظام السياسي الحاكم في إيران وقتلت الصف الأول منهم بما فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي، ليست حربًا محلية ولا إقليمية، بل هي حرب تهدف إلى إعادة رسم توازنات ومعادلات القوة السياسية على الصعيد العالمي بين الأقطاب الإمبريالية العالمية التي تقودها الولايات المتحدة. ومن قِصر النظر أن يصفها بعض الحمقى، ولا سيما من غرقوا في الأوهام القومية، بأنها حرب شنتها الولايات المتحدة من أجل إسرائيل.
إن هزيمة إيران عسكريًا، بالمعنى السياسي، تعني خطوة كبيرة ومهمة في ترسيخ الاستراتيجية الأمريكية لاستمرار وضمان بقاء الولايات المتحدة كقطب إمبريالي مهيمن في المنطقة والعالم بعد أن وُضعت علامة استفهام عليه. وهذه الاستراتيجية تعني صد النفوذ الصيني والحد من النفوذ الروسي كنتيجة مباشرة في هذا الجزء من العالم. كما تعني، بمعنى آخر، فرض الانضباط بالقوة؛ أو ما تعبّر عنه الإدارة الأمريكية بشعار "السلام عبر القوة".
أما هزيمة الولايات المتحدة في هذه الحرب، بالمعنى السياسي، فتعني بقاء النظام السياسي في إيران دون تغيير في سلوكه، وعدم ابتعاده عن النفوذ الصيني. وبغضّ النظر عمّا إذا كان النظام الإيراني سيحافظ على برنامجه النووي والصاروخي، وعلى ما تبقّى من حلفائه الذين تقطّعت أذرعهم، فإن الاستراتيجية الأميركية تكون قد فشلت في أكبر اختبار لها. وهو فشل قد يطغى حتى على ما حققته من نجاح في عملية اختطاف "نيكولاس مادورو"، الرئيس الفنزويلي، وفي إحداث تغيير ـ ولو نسبيًا ـ في سلوك النظام السياسي في فنزويلا.
إلا أن هزيمة الولايات المتحدة في هذه الحرب لها تداعيات خطيرة، أبعد من تداعيات هزيمة الجمهورية الإسلامية في إيران. إذ إن الطبقة الحاكمة الأميركية، بجميع تياراتها ومختبراتها الفكرية ومراكز دراساتها، لا تستطيع تحمّل مثل هذه الهزيمة بالمعنى الذي نتحدث عنه. فالمسألة لا تنحصر بحجم الإنفاق على هذه الحرب، ولا بانحسار نفوذها الأخلاقي والمعنوي، ولا بتعريض أمن وسلامة جماهير المنطقة للخطر نتيجة وضعها رهينة تحت الضربات الصاروخية والمسيّرات الإيرانية، ولا بمفاقمة الأوضاع المعيشية للطبقة العاملة وجميع الأقسام الاجتماعية بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وانقطاع سلاسل التوريد، ولا بتصاعد خسائر الشركات الرأس مالية العالمية في قطاعات مختلفة، باستثناء الصناعات الدفاعية والعسكرية؛ بل إن الأمر يتعلق بإمكانية فتح عصر جديد طالما تكبّرت تلك المؤسسات المأجورة، والقادة والزعماء السياسيون الأمريكيون، عن الاعتراف به؛ وهو تدشين مرحلة أفول القطب الإمبريالي الأميركي، كما حدث سابقًا لبريطانيا التي قيل عنها يومًا إن الشمس لا تغيب عن مستعمراتها.
ولذلك تكمن الخطورة الحقيقية هنا في احتمال أن تسعى الطبقة الحاكمة الأميركية لإعلان انتصارها في هذه الحرب حتى وهي على شفا الهزيمة، عبر خلق الأرضية لإشعال حرب أهلية في إيران، كما حدث أو كما مهدت لإشعال الحرب الأهلية في العراق عام 2006 عندما شعرت بأنها تُهزم هناك. وللولايات المتحدة تجارب عديدة عندما تتعرض مشاريعها السياسية للهزيمة؛ إذ تلجأ إلى سياسة حرق اليابس مع الأخضر. ففي الحرب العالمية الثانية استخدمت القنبلة الذرية لفرض الاستسلام على اليابان، وفي ليبيا وسوريا ساهمت في تحويلهما إلى دول فاشلة بامتياز، والعراق هو النموذج الصارخ لما سُمّي بالديمقراطية الأمريكية. وكذلك الحال في الحرب الكورية والحرب الفيتنامية، وكما يقول الممثل الكوميدي المصري عادل إمام في أحد أفلامه: "الحسابة بتحسب".
أما النظام الحاكم في إيران فهو الآخر، مثل الولايات المتحدة، يرى أن استراتيجيته الوحيدة للبقاء تكمن في إشعال الفوضى في المنطقة. فضرب دول الخليج ودول المنطقة عمومًا بالنسبة إليه أكثر إيلامًا وتأثيرًا من ضرب إسرائيل. ولذلك، وبحسب أحد مراكز الدراسات في واشنطن وما نشاهده يوميًا في وسائل الإعلام، فإن عدد الضربات التي وجهتها إيران إلى دول المنطقة يفوق بأضعاف ما وجهته إلى إسرائيل. وما يفعله النظام السياسي في إيران اليوم من قصف لدول الخليج يمكن اعتباره ضربة استباقية قبل الهزيمة العسكرية بالمعنى السياسي؛ إذ إن هذه الهزيمة تعني دقّ آخر مسمار في نعش الاستراتيجية البرجوازية القومية الإيرانية وتطلعاتها المغلّفة بالعقيدة والأيديولوجيا الإسلامية.
وفي خضم هذه الأوضاع، تُعدّ إسرائيل المستفيد الأكبر من هذه الحرب، أيًّا تكن نتائجها. فمشروع "الشرق الأوسط الجديد" — وهو في جوهره عنوان قديم للمشروع الأميركي في المنطقة منذ غزو العراق واحتلاله، لكن بصيغة جديدة — يتضمن في أحد أبرز بنوده تقويض مشروع قيام دولة فلسطينية مستقلة، والاستمرار في سياسة الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، إلى جانب فرض الهيمنة السياسية الإسرائيلية على المنطقة.
وكما أظهرت هذه الحرب أن النظام الإسلامي في إيران يُعدّ عامل عدم استقرار في المنطقة من وجهة نظر عدد من دولها، حتى بات هذا التصور يحظى بقبول واسع على صعيد المجتمع الدولي، فإنها في الوقت نفسه تكشف أن إسرائيل ليست أقل إسهاماً في إشاعة الفوضى وعدم الاستقرار. وكما فعل نظام بشار الأسد خلال مرحلة غزو العراق واحتلاله، وبالتنسيق مع النظام السياسي في إيران، حين وفّر كل مستلزمات الأمان والتدريب وطرق العبور للعصابات الإسلامية مثل القاعدة وغيرها إلى العراق لإلحاق الهزيمة بالمشروع الأميركي وتحويل العراق وجماهيره إلى وقود يحترق ليحرق ذلك المشروع، فإن النظام الإسلامي الحاكم في إيران لن يتورع عن جرّ المنطقة أكثر فأكثر إلى فوضى أمنية يصعب تخيّل مداها.
صحيح أن سقوط النظام الإسلامي الحاكم سيُضعف الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي، لكن الصحيح أيضاً أنه، كما رأينا على أنقاض هزيمة التيار القومي العروبي المتمثّل بسقوط نظام صدام حسين إثر الحرب والغزو، صعدت مختلف العصابات الإسلامية من كل حدب وصوب، لتعبث بأمن وسلامة جماهير العراق، بل وجماهير المنطقة بأسرها، حتى وصل تأثيرها إلى داخل الدول التي أشعلت الحرب على العراق.
وبالمقدار نفسه، وربما أكثر، قد تكون تداعيات هزيمة النظام في إيران إطلاق العنان لمختلف أشكال العصابات القومية والدينية، وتجديد انتشار التصورات الرجعية المعادية للمرأة والحرية والمساواة وحقوق الطبقة العاملة. وكما عبّر أحد أعضاء مجلس تشخيص مصلحة النظام حين دافع عن تجميد قرار حكومة "بزشكيان" إلغاء فرض الحجاب — وهو الحلقة المحورية في هوية الجمهورية الإسلامية وعموم الإسلام السياسي — قائلاً إن "80 بالمئة من الشعب الإيراني يريدون الحرية ويعيشون كما يشاؤون، في حين أن 20 بالمئة فقط متدينون"، فإن نتائج هذه الحرب قد تدفع المجتمع الإيراني إلى تراجعات خطيرة، كما شهدنا في العراق بعد ثلاث حروب دموية وحصار اقتصادي ظالم استمر ثلاثة عشر عاماً.
وعليه، فإن واجبنا السياسي لا يقتصر على فضح السياسات الأميركية وذرائعها الواهية لشن الحرب على إيران التي تهدد أمن جماهير المنطقة ومستقبلهم، والانخراط في الجبهة الإنسانية العالمية المطالبة بوقف هذه الحرب فوراً، بل يتعدى ذلك إلى واجبنا الإنساني والأخلاقي بالاستعداد لتقديم مختلف أشكال الدعم اللوجستي وإيواء أولئك الذين قد يفرّون من بطش هذه الحرب أو من الفوضى التي قد تعمّ إيران، تماماً كما قدّمت جماهير إيران دعمها لنا خلال حربي الخليج الثانية والثالثة.