واشنطن وطهران: معضلة الوقت وفخ الحرب
سياسة الضغط التفاوضي التي تمارسها إيران، سواء نتيجة تعنت أو صراع بين أجنحة السلطة، تمنح الرئيس الأميركي دونالد ترامب غطاءً شرعيًا للعودة إلى ميادين القتال. وليس هذا فحسب، بل قد تدفع أطرافًا أخرى، مثل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، التي ظلت بعيدة عن الصراع، إلى الانخراط فيه تحت ضغط أزمة الطاقة وارتفاع أسعار النفط. وإذا حدث ذلك، فإن خريطة التحالفات الجديدة قد تقلب المشهد رأسًا على عقب.
تجلّت هذه السياسة في الموقف الذي سبق مفاوضات إسلام آباد الثانية، حين اشترطت رفع الحصار البحري مقابل مشاركتها، مما تسبب في إحراج ترامب واستدعى تدخل الوسطاء، والنتيجة تمديد الهدنة ومنح طهران وقتًا إضافيًا.
نقل التمديد الصراع بين واشنطن وطهران إلى مرحلة معقدة من ضبط التوازنات وتقاطع الأهداف، لا يبدو أنها ستمنح أيًّا من الطرفين مكاسب حاسمة؛ إذ يخوضان سباقًا مع الزمن، بينما يسعيان، بدرجات متفاوتة، إلى تجنب فخ المواجهة العسكرية.
فإذا كان النظام الإيراني لم يعد لديه الكثير ليخسره، فإن "حرب الأربعين يومًا"، رغم كلفتها الباهظة، أعادت ترتيب الداخل عبر التفاف الشارع حول السلطة في لحظة تهديد وجودي. لكن هذا الالتفاف يبدو ظرفيًا، وقد ينتهي بمجرد هدوء الجبهات. في هذه الحالة، قد يرى النظام أن الحرب يمكن أن تصبح خيارًا استراتيجيًا إذا أبقت على استقرار الشارع.
ولكي تتضح الصورة، فإنه في حال توصلت المفاوضات إلى اتفاق بشأن الملفات الثلاثة (النووي، والباليستي، والأذرع الإقليمية)، دون فك الأرصدة المجمدة، ورفع الحصار، ودعم إعادة الإعمار، سيكون على النظام الاستعداد لمواجهة غضب الشارع مجددًا، مضافًا إليه تداعيات اقتصادية قاسية، وبنية تحتية مدمرة، فضلًا عن تصاعد الانقسام الحاد بين أجنحة الحكم المدنية والعسكرية والدينية.
هنا تتضح معادلة طهران: ليس المطلوب اتفاقًا سياسيًا أو عسكريًا فقط، بل "جائزة اقتصادية" تنعكس مباشرة على حياة المواطن الإيراني، وتمنح النظام طوق نجاة.
هكذا يتحول عامل الوقت إلى ساحة صراع إضافية؛ إذ تستخدمه إيران لتعظيم مكاسبها التفاوضية، بينما تسعى واشنطن إلى تقليصه لتحقيق اختراق سياسي. وبين هذين المسارين، تمارس طهران سياسة "الضغط التفاوضي" عبر المناورة في جولات الحوار، بحثًا عن اتفاق ظاهره سياسي وباطنه مكاسب اقتصادية عاجلة.
فعليًا، يواجه النظام تحديًا متزايدًا في الحفاظ على تماسكه الداخلي. وبحسب تقرير حصري نُشر على شبكة "إيران الدولية"، شنّ رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف هجومًا حادًا على معارضي الاتفاق المحتمل مع واشنطن، محذرًا من عواقب وخيمة على مستقبل الجمهورية الإسلامية.
وكشفت هذه المعطيات عن أزمة بين القيادة السياسية والقوات العسكرية؛ فبعد يوم واحد فقط من إعلان وزير الخارجية عباس عراقجي الاستعداد لفتح الحوار والتوصل إلى تسوية سياسية، أقدمت قوات الحرس الثوري على استهداف سفن تجارية، وطالبت باستئناف الحرب، باعتبار أن واشنطن غير جادة في التفاوض.
حتى الآن، ترى مؤسسات السلطة في طهران أن الهزيمة العسكرية قد تكون مقبولة أو قابلة للاحتواء، أما سقوط النظام فهو غير مطروح على الإطلاق. لذلك، تمارس ضغطًا على الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مدركة أن جزءًا من أوراقه التفاوضية يتآكل مع الوقت.
فمن الناحية الاقتصادية، أدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة معدلات التضخم، وهو ما تشير إليه تقارير مؤسسات مالية دولية، وينعكس بدوره سلبًا على شعبية الرئيس. وسياسيًا، يواجه ترامب ضغوطًا متزايدة مع اقتراب انتخابات الكونغرس النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني، إلى جانب تراجع شعبيته واتساع الرفض الدولي والعربي للعودة إلى الحرب.
حتى خياراته العسكرية المتبقية أصبحت تداعياتها أخطر من مكاسبها المحتملة. وقبل ذلك، يجب أن يحصل ترامب على مبرر قوي للعودة إلى القتال، وإلا فإن أي تصعيد عسكري قد يُفسَّر على أنه استنزاف لهيبة الولايات المتحدة، خاصة أن "بنك الأهداف" العسكرية قد تحقق معظمه تقريبًا، وفق ما أكده نائب الرئيس جي دي فانس بقوله "إن الأهداف العسكرية اكتملت".
صحيح أن ضرب الأهداف المدنية والاقتصادية والنفطية سينعكس سلبًا على الشارع الإيراني الذي يعاني أصلًا، لكنه أيضًا مكلف أخلاقيًا ومجرَّم بموجب القانون الدولي. وحتى إذا لم يشكل البعد الأخلاقي أو القانوني أولوية لدى ترامب، فإنه سيبقى أداة ضغط بيد المنظمات الدولية. أما إذا وصل الأمر إلى استهداف المنشآت النفطية، فهذا سيناريو يصعب تقدير كلفته بدقة.
ترامب نفسه يدرك حساسية عامل الوقت وخطورة فخ الحرب، لكنه ينفي ذلك في منشوراته على موقع "تروث سوشيال"، مؤكدًا أنه "لا يتعرض لأي ضغط" لإبرام اتفاق مع طهران، وأن "الوقت ليس خصمه"، وأن اتفاقه النهائي سيكون "أفضل بكثير" من الاتفاق النووي الذي أبرمه الرئيس السابق أوباما عام 2015.
لكن عمليًا، فإن الحلفاء الأوروبيين تركوه في حربه بمفرده، في حين يرى حلفاؤه الخليجيون أنه لم يحسم الحرب عسكريًا بإسقاط النظام، ولم يمنحهم دورًا كافيًا في المفاوضات السياسية لطرح مخاوفهم ورؤيتهم المستقبلية. والأهم أنه منح طهران ورقة تفاوضية حساسة — مضيق هرمز — قد تتحول إلى أداة ضغط مستمرة على صادرات النفط في الخليج.
على كل حال، تميل إيران إلى إطالة حالة "لا حرب ولا سلم"، باعتبارها مساحة للمناورة واستنزاف الخصوم، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ما يمنحها قدرة على رفع كلفة التصعيد دون الدخول في مواجهة شاملة.
أما فيما يتعلق بالتفاوض الجاري بين واشنطن وطهران، فلم يعد تقنيًا بقدر ما يعكس إعادة تشكيل لموازين القوة تحت ضغط الزمن. فواشنطن تسابق الوقت لانتزاع إنجاز سياسي قابل للتسويق، بينما توظفه طهران لإعادة ترميم الداخل وتعظيم أوراقها التفاوضية. المشكلة أن هذه المعادلة لا تحتمل الإفراط في الضغط؛ فأي انحراف في تقدير حدود الصبر لدى الطرف الآخر لن يقود إلى اتفاق أفضل، بل إلى انهيار قواعد الاشتباك بالكامل. وعندها، يتحول الوقت من أداة تفاوض إلى زر تفجير نحو مواجهة أوسع تتجاوز الحسابات التقليدية للربح والخسارة.