لبنان في مفترق المفاوضات: هدنة هشة وصراع مؤجل
الجولة الثانية من المحادثات اللبنانية الإسرائيلية لم تشهد اختراقات جوهرية، كما كان متوقعًا، لكنها أسفرت عن تقدم محدود يمكن البناء عليه. حصلت بيروت على تمديد جزئي لوقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أسابيع، وهو أقل من المدة التي طلبتها، مع وعد بحزمة دعم للجيش الوطني، فيما احتفظت تل أبيب بحرية الحركة في جنوب لبنان، لا سيما في المناطق التي تعتبرها حساسة أمنيًا.
الرئيس دونالد ترامب، الذي أمر بنقل المحادثات إلى البيت الأبيض بدلًا من وزارة الخارجية الأمريكية، في خطوة تؤكد رغبته في رفع مستوى الانخراط السياسي فيها، أشار إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام قبل نهاية العام، موضحًا في الوقت ذاته ضرورة وقف الدعم الإيراني لحزب الله. وهو ما يعكس، وفق تقديرات سياسية، ترابطًا مباشرًا بين المسارين اللبناني الإسرائيلي والأمريكي الإيراني، رغم الفصل الرسمي بينهما.
ما رشح من معلومات حول الأجواء المصاحبة لهذه الجولة يشير إلى تباين واضح بين وفدي التفاوض، إذ إن الخلافات بينهما ليست على التفاصيل التقنية فقط، بل تمتد إلى تعريف العملية التفاوضية برمتها. ففي حين تتحدث إسرائيل والولايات المتحدة عن إمكانية توسيع المسار نحو ترتيبات أوسع، ينظر لبنان إلى المحادثات باعتبارها أداة لتثبيت الاستقرار المرحلي، دون الانخراط في التزامات بعيدة المدى في المرحلة الحالية، قد يكون لها تداعيات سلبية على الداخل اللبناني.
على الأرجح، فإن واشنطن التي تقود المسارين ترى أن نصف الورقة اللبنانية الأهم والمتمثلة في حزب الله، الثلث المعطل أو الناسف لأي اتفاق محتمل، هي في يد طهران، وأن محاولة تجريدها من هذا “النصف” سيهدد كافة المسارات بالتعثر أو الانهيار، لذا هي تسعى لإيجاد إطار يمنع تغول إيران على خطي التفاوض.
ومن وجهة نظر الأميركيين، فالهدف المباشر الآني من الجولة الحالية تحقق بتمديد وقف إطلاق النار، على أن يتم تفعيل دبلوماسية (خطوة مقابل خطوة) إذا تطورت الظروف.
أما على الجانب الإسرائيلي، فتسعى حكومة بنيامين نتنياهو إلى تحقيق تغيير ملموس في الواقع الأمني جنوب لبنان، بما يحد من قدرات حزب الله. غير أن تحقيق هذا الهدف يواجه تحديات ميدانية ولوجستية، في ظل محدودية قدرات الجيش اللبناني وتعقيدات الانتشار على الأرض. كما أن الاعتبارات السياسية الداخلية، بما في ذلك المنافسة مع شخصيات مثل غادي آيزنكوت، تلعب دورًا في تشكيل الموقف الإسرائيلي.
من خلفية هذا المشهد، يأتي خطاب الرئيس اللبناني جوزيف عون الأخير، الذي قال فيه "اليوم، نتفاوض ونقرر بأنفسنا. لم نعد ورقة في لعبة أحد، ولا ساحة لحروب أحد، ولن نكون كذلك أبدًا". وهي عبارات تؤكد على "التحرر" من قيود الداخل والخارج، وترفع سقف الطموح في قدرة الدولة على بسط سيادتها على كامل التراب الوطني.
فعليًا، هذا الخطاب حصل على دعم من التيارات التي ترى أنه لا توجد رسميًا حالة حرب مع إسرائيل، وأنه من المنطق تأييد المسار الدبلوماسي ونبذ منطق الصراع وصناعة الأزمات لخدمة أجندة إقليمية لا تمت بصلة إلى مصالح الشعب اللبناني، لكن على الجانب الآخر هناك من يرى أن لبنان جزء من خريطة صراع الشرق الأوسط بالأصالة والجوار الجغرافي، وأن حزب الله قادر على التسبب في آلام وأوجاع لإسرائيل، وبالتالي فإن خطاب عون يعتبر، من وجهة نظرهم، انحرافًا عن القضايا القومية و“خيانة” للقضية الفلسطينية. هذا الانقسام في الرأي، لو اقترن بأفعال قد توجبها طاولة التفاوض، وانتقل من صفحات السوشيال ميديا والمواقع الخبرية إلى الشارع، فإننا سنكون أمام سيناريو صدام غير مسيطر عليه.
الحقيقة أن حزب الله ليس من خارج لبنان، فهو مكون أصيل لا يمكن تجاوزه. لكن، ضمن معادلة توازن سياسي فرضتها ظروف الأمر الواقع، تم استثناء سلاحه عند تنفيذ بنود اتفاقية الطائف. وهو حاليًا يمتلك قوة تسليحية صاروخية لا يمتلكها الجيش اللبناني نفسه، ونجح خلال نصف قرن في ترسيخ مكانته في الشارع اللبناني وفي الجنوب على الأخص، وقام بإنشاء مؤسسات متخصصة تعمل كدولة موازية تقدم خدمات واسعة تشمل الجوانب الاجتماعية والصحية والتربوية… هذه التركيبة لا يمكن إزاحتها بقرار ولا بسلاح، لكن بالتوافق مع حلفائه.
المشكلة أن كل ما سبق من خلافات سينعكس على الداخل اللبناني، ففي حالة نجاح المفاوضات، فحزب الله، الذي يمثل قلب الأزمة، يهدد باللجوء إلى الشارع كورقة أخيرة للاحتماء فيه. صحيح أن رئيس البرلمان، نبيه بري، وبعد تدخل الرياض، حذر من استخدام هذه الورقة، لكن في حال خرجت الأمور عن السيطرة سيتم تسويقها كتبرئة لساحته. أما الفشل، فإنه يصب لصالح حزب الله، الذي ستتعزز مكانته على حساب هيبة الدولة.
ويمكن أن يكون الرئيس عون قد قرأ المشهد الإقليمي بواقعية، وحاول، تحت ضغط الاحتياج الأمريكي لتحقيق قفزة وتقدم مع الإيرانيين، أن يحسن موقفه الداخلي ويحصل على دعم خارجي يساهم في إيجاد توافق لنزع سلاح حزب الله، الذي يمثل المعضلة الكبرى أمام عودة السيادة للبنان حكومة وشعبًا. ما يدعم هذا التصور أن ورقة حزب الله حاضرة في مفاوضات إسلام آباد، وهو مرتبط بشكل وثيق بالتوازنات الإقليمية.
الرئيس عون أمام اختبار صعب. ومع تصاعد الدعوات لتطبيق البند السابع لفرض القرار 1701، الذي يسمح بالتدخل العسكري الدولي حتى دون موافقة الدولة المعنية، ينقسم اللبنانيون بين من يراه وصاية دولية ومن يراه سبيلًا وحيدًا لعودة السيادة للدولة، وهنا يبرز تساؤل مشروع: هل هدف واشنطن من المباحثات يقتصر على لبنان لمصلحته واستقراره، أم أنها نافذة دبلوماسية لتحقيق تقدم على طاولة المفاوضات "الرئيسية" مع الإيرانيين، بما يتيح لها تحقيق مكسب سريع يعوّض ما فقدته في المواجهة مع نظام طهران؟