لبنان: هل يتراجع الحاجز النفسي أمام خيار السلام؟

ما بين خطاب جوزيف عون في نيقوسيا، ومسار التفاوض في واشنطن، يقف لبنان عند مفترق حقيقي.

في لحظةٍ إقليمية حازمةٍ ومشحونة بالتحولات، اختار رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون أن يخاطب القادة الأوروبيين من نيقوسيا بلغةٍ مختلفة عمّا اعتادته المنطقة: لغة الأرقام والفرص السانحة، لا لغة الأوهام والفرص الضائعة، ففي الاجتماع غير الرسمي لقادة الاتحاد الأوروبي في العاصمة القبرصية، لم يقدّم لبنان نفسه بوصفه ساحة نزاع، بل بوصفه شريكًا محتملًا في فضاء متوسطيّ لطالما كان، تاريخيًا، طريقًا للحياة والازدهار.

هذا التحوّل في الخطاب ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل يعكس محاولة واعية لإعادة تموضع لبنان خارج سردية الحروب الدائمة، نحو سردية التكامل الممكن، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يواكب الداخل اللبناني هذا التحوّل في اللغة… أم يظل أسيرًا لمنطقٍ خارجيٍ آخر؟

واشنطن: من الرصاصة إلى الطاولة

بالتوازي مع خطاب نيقوسيا، كانت واشنطن قد احتضنت جولتين من المحادثات اللبنانية–الإسرائيلية المباشرة بين الجانبين منذ عقود: الأولى برعاية وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الذي اعتبر أن لبنان عانى ما يكفيه من حزب الله، والثانية برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي لم يُخفِ رغبته في نقل هذا المسار إلى مستوى أعلى، عبر احتمال استضافة لقاء يجمع بين الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض.

وبصرف النظر عن فرص تحقق هذا اللقاء، فإن مجرد طرحه يعكس تحوّلًا نوعيًا في دينامية الآمال المرجوة منه، لا سيما من إدارة النزاع إلى التفكير في تسويته. وهنا، تلتقي نيقوسيا مع واشنطن في نقطة واحدة: محاولة إعادة تعريف لبنان لنفسه، لا كساحة صراع، بل كدولة تُفاوض.

شارع منقسم… ودولة تبحث عن قرار

غير أنّ هذا التحوّل لا يسير في فراغ، فالداخل اللبناني يبدو منقسمًا بوضوح بين: تيار يؤيد التفاوض المباشر بوصفه خيارًا سياديًا، وآخر يفضّل القنوات غير المباشرة، وثالث يرفض الفكرة من أساسها، وفي طليعته حزب الله.

هذا الانقسام لا يعكس فقط اختلافًا سياسيًا، بل يكشف عن حاجز نفسي عميق تشكّل على امتداد عقود من الحروب.

سبعة عقود من الحاجز النفسي

منذ نكبة 1948، مرورًا بحرب 1967، وصولًا إلى حرب 1973، تراكمت في الوعي العربي صورة الصراع الوجودي مع إسرائيل، بوصفه صراعًا لا يُحلّ بل يُدار.

لكن هذا الحاجز بدأ يتآكل تدريجيًا مع محطات مفصلية: اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل في سبعينيات القرن العشرين، واتفاق 17 أيار بين لبنان وإسرائيل (الذي لم يُكتب له الاستمرار) في الثمانينيات، ومؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط، واتفاقية أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومعاهدة وادي عربة بين الأردن وإسرائيل، وصولًا إلى الاتفاقيات الإبراهيمية التي أُبرمت بين الدولة العبرية وعدد من الدول العربية الواقعة خارج نطاق الطوق الذي يقع عند تخوم حدودها البرية. ولعل هذه المسارات، وإن لم تُنهِ الصراع، فقد كسرت احتكار فكرة الحرب كخيار وحيد.

لبنان… الفرصة الضائعة والطريق الأقصر

في هذا السياق، يبرز سؤال مؤلم: ألم يكن لبنان قادرًا على أن يكون في طليعة هذا المسار بدل أن يبقى على هامشه؟

جغرافيًا، الطريق من بيروت إلى القدس هو من أقصر الطرق الممكنة مرورًا بالدامور وصيدا وصور وصولًا إلى الناقورة، ومنها إلى عكا وحيفا ويافا وتل أبيب، قبل الصعود من هناك، يسارًا، إلى القدس، لكن هذا الطريق ظلّ مغلقًا، ليس فقط بفعل السياسة، بل بفعل الحاجز النفسي الذي تحوّل إلى أداة سياسية وهنا تحديدًا، يتموضع حزب الله، الذي لا يكتفي برفض التفاوض، بل يستمد جزءًا من شرعيته من بقاء هذا الحاجز قائمًا.

بين الواقعية السياسية والخيال الأخلاقي

غير أنّ كسر هذا الحاجز لا يمكن أن يكون سياسيًا فقط، فالسلام، كما في معناه الأعمق، ليس مجرد اتفاق بين دولتين، بل تحوّلٌ في نظرة الإنسان إلى الآخر.

وهنا، تبرز ثلاث حقائق أساسية: أن الاعتراف بالهشاشة الإنسانية المشتركة يخفّف دوافع الصراع، وأن التخلي عن أوهام النقاء يفتح الباب أمام التسويات، وأن "الخيال الأخلاقي" القدرة على رؤية الذات في موقع الآخر هو ما يصنع اختراقات السلام.

قد تبدو هذه الأفكار مثالية، لكنها في الواقع شرطٌ لأي واقعيةٍ سياسية مستدامة في زمن تشظّي مفاهيم الواقعية الإنسانية في أماكن مختلفة من كوكب الأرض.

وخلاصة القول هنا تتمثل في وجوب التأكيد على حقيقةٍ مؤداها أن ما بين خطاب جوزيف عون في نيقوسيا، ومسار التفاوض في واشنطن، يقف لبنان عند مفترق حقيقي. ليس بين الحرب والسلام فقط، بل بين خيارين أعمق: أن يبقى أسير حاجز نفسي تشكّل في الماضي، أو أن يبدأ، تدريجيًا، في تفكيكه لصالح مستقبلٍ مختلف.

لقد أثبتت تجارب المنطقة أن السلام لا يأتي دفعة واحدة، بل يبدأ بفكرة، ثم يتحوّل إلى مسار، ثم يصبح واقعًا. ولبنان اليوم أمام لحظة كهذه. فإما أن يلتقطها... أو يضيفها إلى قائمة الفرص الضائعة.

والخير دائمًا من وراء القصد.