لبنان بين ذاكرة الحرب وخيار الدولة: مفاوضات واشنطن واختبار "سلام الشجعان"

لطالما عاش لبنان في المنطقة الرمادية بين الحرب واللاحرب؛ لا انتصارًا يُحسم، ولا سلامًا يُنجز.

بين ذاكرة الحرب وأمل السياسة، يقف لبنان اليوم على عتبة لحظةٍ نادرة في تاريخه الحديث. لحظة لا تختبر فقط قدرته على التفاوض، بل تختبر، قبل ذلك، قدرته على استعادة قراره السيادي في تعريف الحرب والسلام.

في الثالث عشر من أبريل/نيسان، استعاد اللبنانيون ذكرى اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، تلك التي لم تنتهِ تمامًا بقدر ما تحوّلت إلى بنيةٍ كامنة في النظام السياسي. وفي الثالث والعشرين من أبريل/نيسان 2026، تتجه الأنظار إلى واشنطن، حيث تنعقد جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، برعايةٍ أميركية، في مشهدٍ يعكس انتقال البلاد من زمن الرصاصة إلى زمن الطاولة.

لكن هذا الانتقال، على رمزيته، لا يزال محفوفًا بالسؤال الأهم: هل نحن أمام خيار سلام سيادي… أم أمام هدنة جديدة في سياق "اللاحرب" الطويلة؟

من منطق "اللاحرب" إلى اختبار القرار

لطالما عاش لبنان في المنطقة الرمادية بين الحرب واللاحرب؛ لا انتصارًا يُحسم، ولا سلامًا يُنجز. وهو ما جعل الدولة، على امتداد عقود، تبدو وكأنها معلّقة بين قرارين: قرارها الرسمي، وقرارٍ آخر مفروض بقوة السلاح خارج مؤسساتها.

اليوم، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يبدو أن رئاستي الجمهورية والحكومة تمضيان في اتجاه مختلف: تثبيت خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل بوصفه قرارًا سياديًا لبنانيًا مستقلًا، لا امتدادًا لأي مسار إقليمي، ولا سيما في ظل التعثّر الواضح في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، واحتمالات عودة التصعيد بينهما.

هذا الفصل بين المسارين ليس تفصيلًا تقنيًا، بل هو جوهر التحوّل: أن يقرّر لبنان لنفسه، لا أن يكون ساحةً لقرارات الآخرين.

بيروت منزوعة السلاح… أم الدولة المستعادة؟

في موازاة المسار التفاوضي، يبرز التزام الدولة اللبنانية بالعمل على جعل بيروت مدينة منزوعة السلاح، في خطوة تحمل دلالات تتجاوز البعد الأمني، فالمسألة هنا لا تتعلّق فقط بضبط السلاح داخل العاصمة، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوة: من يحتكر قرار الحرب؟ ومن يملك حق السلم؟

ولعل نجاح هذا المسار، ولو تدريجيًا، يعني نقل لبنان من نموذج "الدولة المرغمة على التعايش مع السلاح" إلى نموذج "الدولة التي تستعيد عافيتها وسيادتها".

ظلّ أنور السادات

في خلفية هذا المشهد، يطلّ شبح المقارنة التاريخية، فحين قرّر الرئيس المصري الراحل أنور السادات الذهاب إلى القدس عام 1977، لم يكن يهرب من حرب، بل كان قد خاضها وخرج منها مرفوع الرأس. ذهب إلى السلام من موقع القرار، لا من موقع الإكراه.

اليوم، في لبنان، يُطرح خيار التفاوض في ظروف أكثر تعقيدًا: دولة منهكة، توازنات داخلية هشّة، وسلاح خارج إطارها. والأخطر من ذلك، أن هذا الخيار لا يُواجَه فقط بالاعتراض السياسي، بل بالتلويح بالعنف، كما في التصريحات التي أطلقها النائب عن "كتلة الوفاء للمقاومة" نواف الموسوي، مستحضرًا مصير السادات في رسالة تتجاوز النقد إلى التهديد الضمني.

وهنا، يتحوّل النقاش من خلافٍ سياسي إلى اختبارٍ أخلاقي: هل يُسمح أصلًا بالتفكير في السلام؟

بين ذاكرة الحرب وواقعية السياسة

الذاكرة اللبنانية مثقلة بالحروب، لكن المشكلة لم تعد في الذاكرة بحد ذاتها، بل في كيفية استخدامها، فإمّا أن تتحوّل إلى دافعٍ لتجنّب تكرار المأساة، أو إلى ذريعة لإدامة الصراع.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل المفاوضات الجارية في واشنطن عن التحوّلات الإقليمية الأوسع، لكن لا يجوز أيضًا اختزالها بها، لأن الرهان الحقيقي يكمن في قدرة لبنان على تحويل التفاوض من حدث ظرفي إلى خيار استراتيجي.

واشنطن… اختبار النضج

لا تُقاس أهمية جولة 23 أبريل/نيسان بنتائجها المباشرة، بقدر ما تُقاس بما تمثّله: انتقال من منطق "إدارة النزاع" إلى محاولة حله، تثبيت مبدأ أن الدولة هي الجهة الوحيدة المخوّلة التفاوض، وإعادة طرح السلام كخيار سياسي مشروع، لا كفعل محرّم، لكن الطريق إلى ذلك لا يزال طويلًا، ومليئًا بالألغام الداخلية قبل الخارجية.

وهكذا، فإن لبنان اليوم ليس أمام خيارٍ سهل بين الحرب والسلام، بل أمام خيارٍ أصعب بكثير: إمّا أن يستمر كمساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، أو أن يبدأ، تدريجيًا، في استعادة نفسه كدولة.

لقد دفع أنور السادات حياته ثمنًا لقراره. أما لبنان، فالمفارقة أنّه ظلّ يدفع أثمانًا يومية لأنه لم يكن قد حسم قراره بعد.

وبين ذاكرة 13 أبريل/نيسان 1975، وطاولة 23 أبريل/نيسان 2026، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ينضج هذا الربيع سياسيًا... أم يبقى مجرّد فصلٍ عابر في بلدٍ يؤجّل قراراته الكبرى؟