حربان وهدنة: كيف يعيد لبنان تعريف قواعد الصراع في الشرق الأوسط؟

الانقسام بين واشنطن وإسرائيل هو فك ارتباط تكتيكي بين الحليفين سيعيد تعريف طبيعة الصراع.

عندما اندلعت العمليات العسكرية الأميركية الإسرائيلية في 28 فبراير/شباط 2026 ضد إيران، دخلت منطقة الشرق الأوسط في حرب إقليمية هي الأخطر منذ حرب الخليج الثانية (1991)، سرعان ما امتد تأثيرها إلى الاقتصاد العالمي عبر تعطيل سلاسل الإمداد وارتفاع كبير في أسعار الطاقة.

وفي اللحظة التي كان فيها العالم يترقب ما سيحدث بعد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأكثر خطورة منذ بداية الحرب، وهو التهديد بمحو الحضارة الإيرانية، تفاجأ الجميع بإعلان واشنطن وقف إطلاق النار مع طهران لمدة أسبوعين، ليخرج بعد ساعات قليلة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تصريح أكد فيه استثناء لبنان من الهدنة، واتبعت تل أبيب التصريح بهجوم على لبنان هو الأعنف منذ اندلاع الحرب. فهل ما يحدث هو رغبة إسرائيل في القضاء على حزب الله والتوسع على حساب لبنان مستغلة الهدنة؟ أم أن ما كنا نظنه حرباً واحدة ضد إيران هو في الواقع حربين متوازيتين: واشنطن ضد إيران، وإسرائيل ضد حزب الله؟.

انقسام تكتيكي

كشف تصريح نتنياهو عن انقسام تكتيكي بين واشنطن وتل أبيب في طبيعة التعامل مع الوضع في الشرق الأوسط، فحين تتحرك الولايات المتحدة نحو طاولة المفاوضات مع إيران من أجل إعادة فتح مضيق هرمز، تركن تل أبيب إلى الخيار العسكري ضد حزب الله ومفاوضته تحت النار من أجل تقويض سيطرته على المنطقة بما يضمن أمن إسرائيل من الجبهة اللبنانية. وهذا الانقسام هو فك ارتباط تكتيكي بين الحليفين سيعيد تعريف طبيعة الصراع.

 لماذا لبنان خارج الاتفاق؟

رغم قبول دونالد ترامب اقتراح وقف إطلاق النار وحديثه عن تهدئة أوسع تشمل مختلف الجبهات، إلا أن نتنياهو استثنى في تصريح له لبنان من الهدنة، وأعقبت تصريحاته هجوم عنيف على لبنان، ما أثار انزعاج الجانب الإيراني الذي اعتبر الهجمات خرقاً واضحاً لوقف إطلاق النار. لكن الإدارة الأميركية سرعان ما وقفت إلى جانب حليفتها إسرائيل ونفت ذلك، معتبرة أن لبنان غير مشمول في هذه المرحلة بالهدنة، في تناقض صارخ بين مواقف الحليفين. كما أن تصنيف ترامب المواجهة في لبنان باعتبارها "مناوشة منفصلة" وتصريح المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت بأن الاتفاق ثنائي يركز على إنهاء المواجهة المباشرة مع إيران وفتح مضيق هرمز، دون أن يشمل الاتفاق حزب الله، هو ما يمنح الضوء الأخضر لإسرائيل حتى تستمر في عملياتها العسكرية ضد لبنان بوصفها عمليات مستقلة عن الحرب.

يكشف هذا التناقض في البداية بين واشنطن وتل أبيب ثم التوافق لاحقاً حول استثناء لبنان، أن إسرائيل لها تأثير عميق في صناعة القرار الأميركي، وأنها مارست ضغوطات على الإدارة الأميركية لضمان بقاء الجبهة اللبنانية مفتوحة. وتشير المعطيات إلى ثلاثة أهداف رئيسية لإصرار إسرائيل على مواصلة الحرب ضد حزب الله: أولاً، اغتنام الفراغ الاستراتيجي مع انشغال إيران بالمفاوضات مع واشنطن، إذ وجدت تل أبيب نفسها أمام فرصة قوية للانفراد بحزب الله دون خشية من الرد الإيراني، فطالما أن طهران ملزمة بقرار وقف إطلاق النار مع واشنطن، فإن مساندتها لحزب الله عسكرياً ستكون محدودة. ثانياً، تسعى إسرائيل إلى إقامة منطقة عازلة تمتد حتى نهر الليطاني، أي ما يمسح نحو 8 بالمئة من الأراضي اللبنانية، وقد عززتها قواتها البرية بإضافة الفرقة 98، ما يعني استمرار العمليات البرية لفترة أطول. أما ثالثاً، فإن استمرار الضغط في لبنان يمنح تل أبيب ورقة ضغط على طهران في ظل مفاوضاتها بين واشنطن وطهران لقبول الشروط الأميركية.

حربان متوازيتان وأهداف مختلفة 

ما اعتبرناه منذ اندلاع العمليات العسكرية في فبراير/شباط الماضي حرباً واحدة تخوضها واشنطن وتل أبيب ضد إيران، هو في الواقع حربان مختلفتان في طبيعتهما وأهدافهما وآلياتهما. فالحرب الأولى بين واشنطن وطهران هي حرب استراتيجية استهدفت بشكل رئيسي البرنامج النووي الإيراني ومضيق هرمز في وقت متأخر، ثم توجهت إلى قرار الهدنة لمدة أسبوعين للتفاوض من أجل حماية الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة من الانهيار. أما الحرب الثانية فهي بين إسرائيل وحزب الله، وهي حرب وجودية توسعية، تسعى إلى إضعاف الحزب عسكرياً وتجريده من قدراته الصاروخية وإضعاف مساندة إيران له، إلى جانب الرغبة في التوسع على حساب الأراضي اللبنانية لحماية حدود الكيان من وكلاء طهران.

يمكننا القول إذن إن إسرائيل خرجت كرابح استراتيجي على مستويين: مستوى الجبهة الإيرانية بتوقف العمليات العسكرية الأميركية ضد طهران، مما يريح تل أبيب من مخاطر التصعيد الإقليمي، بينما تستمر المفاوضات التي قد تخرج بنتائج تحد من الطموح الإيراني النووي. أما على المستوى الثاني، فتظل يد إسرائيل على الزناد في لبنان، حيث تواصل شن غارات عنيفة، بينما يلتزم حزب الله بهدنة نسبية وفقاً للموقف الإيراني.

أين تتجه الأمور؟

هذا المشهد المعقد لا يبشر بالاستقرار، فإيران غير الواثقة بالجانب الأميركي هددت بالانسحاب من الهدنة إذا لم تتوقف إسرائيل عن استهداف لبنان، واعتبرت مواصلة المفاوضات في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية أمراً غير معقول. بينما تظل واشنطن في المسار الدبلوماسي، إذ يقود نائب الرئيس جيه دي فانس الذي وصل إلى العاصمة الباكستانية الجمعة المفاوضات مع إيران بمشاركة المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. أما طهران فستظل تحت ضغط داخلي للرد على الهجمات الإسرائيلية ضد حزب الله، ولكن الرد سيعتبر من الجانب الأميركي والإسرائيلي خرقاً لوقف إطلاق النار، ما قد يعيد المنطقة إلى مربع الحرب. 

في الختام، ومع استمرار التوتر في الجبهة اللبنانية، يبقى مستقبل الهدنة رهيناً بما ستؤول إليه الأمور في لبنان.