رحيل فيلسوف السياسة الإيرانية: هل اغتيال لاريجاني سينهي عصر التوازن في إيران؟

سقوط رجل الظل الذي أرعب خصومه لسنوات هو سقوط رمزي بالأساس.

لم يكن إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 17 مارس/اذار 2026 عن اغتيال علي لاريجاني مجرد إعلان اغتيال لمسؤول إيراني جديد، بل ضربًا لعصب القيادة الإيرانية والعقل المدبر لاستراتيجية الحرب ضد إسرائيل وأميركا.

 رجل ستيني وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي، تحرك في الظل لفترة طويلة قبل أن يظهر إلى العلن بعد مقتل آية الله علي خامنئي. هو "القائد الفعلي لإيران" كما وصفه الجيش الإسرائيلي ومهندس الردود الإيرانية والمنسق بين الحرس الثوري والجيش، وأكثر الشخصيات الموثوق بها من جميع أجنحة النظام، فكيف يتحرك علي لاريجاني؟

استراتيجية رجل الظل:

وُلد علي لاريجاني في النجف عام 1958 لعائلة دينية هيمنت على مراكز القرار، فأخوته الأربعة تقلدوا مناصب عليا في الدولة. تحصل على الدكتوراه في الفلسفة الغربية، وكرّس أطروحته لفلسفة إيمانويل كانط. هذا التكوين جعله مختلفًا عن بقية رجال السياسة والدين في طهران، فهو مفكر فيلسوف قبل أن يكون قائدًا سياسيًا، له القدرة على فهم العقل الغربي كنظام فكري يمكن تفكيكه واستغلال نقاط ضعفه.

تكمن عبقرية لاريجاني في قدرته على التنسيق بين أجنحة النظام، فهو همزة الوصل بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري والتكنوقراط، وهو الداعم للاتفاق النووي عام 2015، والمشرف على قمع احتجاجات يناير 2026. هذا المزيج بين البراغماتية والقمع جعله الشخص الوحيد القادر على احتواء الصراع في الداخل الإيراني بعد اغتيال خامنئي.

أما استراتيجيته في التعامل مع الخطر الخارجي، فتقوم على فكرة عدم قدرة إيران على مواجهة أميركا عسكريًا لوقت طويل، لذلك بنى استراتيجيته على تعميق التحالفات الدولية؛ إذ قام بزيارة موسكو وبكين عدة مرات، وأشرف على اتفاق استراتيجي مع الصين يتضمن استثمارًا بقيمة 400 مليار دولار. كما اعتمد على الردع عبر الوكلاء، عن طريق دعم حزب الله والحوثيين والفصائل العراقية لاستنزاف إسرائيل، إضافة إلى التهديد بالنووي كورقة ضغط، إذ حذر قبل أشهر بأن القصف الإسرائيلي الأميركي سيجعل إيران تتحرك نحو القنبلة الذرية. ولا ننسى ورقة الضغط الثانية، المتمثلة في تعطيل تدفق الطاقة وتهديد الاقتصاد العالمي.

هذه الخطوات لا تقدم مجرد رجل سياسي محنك، وإنما عقلًا استراتيجيًا قادرًا على خلق التوازنات والضغط على الخصم عبر اللعب على نقاط ضعفه.

تداعيات اغتيال لاريجاني

يحمل اغتيال لاريجاني خمسة تداعيات كبرى على إيران:

فراغ قيادي يصعب ملؤه:
لئن أمكن ملء فراغ المرشد الديني برتبة آية الله، فلا يمكن سد فراغ رجل بهذا التكوين الفكري والذكاء الاستراتيجي بسهولة، فموته يعني غياب نموذج رجل السياسة الحديث ذي التكوين الغربي، كما يعني انتصارًا للتيار المتشدد داخليًا.

عسكرة النظام:
تعد عسكرة النظام أخطر تداعيات اغتيال لاريجاني، الذي كان آخر جسر بين العسكر والسياسيين المعتدلين. وإن لم يُسد هذا الفراغ، فهناك احتمال لسيطرة الأجهزة الأمنية والعسكرية بالكامل على القرار، مما قد يؤدي إلى تصعيد عسكري انتقامي دون استراتيجية واضحة، وانغلاق سياسي يرفض فتح باب التفاوض.

صراع داخلي حاد:
في غياب رجل الظل، ستدخل النخب الإيرانية في صراع شرس على النفوذ. سيدور هذا الصراع بين الجناح العسكري المتشدد الذي يمثله الحرس الثوري وقوات الباسيج، والجناح الديني حول مجتبى خامنئي الذي يحاول تثبيت نفسه، والجناح التكنوقراطي الذي يمثله وزراء سابقون. إذ كان لاريجاني ينسق بين كل هؤلاء، وغيابه قد يؤدي إلى تفكك داخلي في الجمهورية الإيرانية.

انهيار الروح المعنوية للشارع الموالي:
تحدى لاريجاني إسرائيل وأميركا عندما ظهر في مسيرات مؤيدة للنظام في الشارع الإيراني، وكان هذا الظهور يهدف إلى رفع الروح المعنوية للقاعدة الشعبية. اغتياله، بعد اغتيال خامنئي وعشرات القادة، سيشكل صدمة نفسية للموالين، فسقوط رجل الظل الذي أرعب خصومه لسنوات هو سقوط رمزي بالأساس، سيجعلهم يشعرون بأن الدولة فقدت قدرتها على حماية رموزها، مما قد يسرّع في تآكل هذه القاعدة.

انعكاس على المعارضة الداخلية:
يرى محللون غربيون أن اغتيال لاريجاني يمثل فرصة لإشعال المعارضة في الداخل وحشد خصوم النظام، لكن هذا قد يمنح العسكر أيضًا مبررًا للسيطرة بالقوة المفرطة، مما قد يؤجل خيار الانتفاضة إلى حين انكشاف هشاشة النظام.

ماذا عن الرد الإيراني؟

ستسعى إيران إلى الرد لاستعادة توازن الردع، وأمامها خيارات متعددة، من التصعيد عبر أذرعها في لبنان والعراق واليمن إلى جانب القصف المباشر، غير أن هذا الرد قد يكون فوضويًا وانتقاميًا في ظل غياب القائد المنسق.

هل تفقد إيران توازنها؟

إن علي لاريجاني ليس مجرد مسؤول أمني، بل العقل الإيراني البارد وفيلسوف الحرب، وهو الإجابة عن سؤال: كيف لم ينهَر النظام حين قُطع رأسه؟ وإذا لم يُسد هذا الفراغ القيادي، فإن ذلك يعني دخول إيران مرحلة عسكرة النظام وتصاعد صراع الأجنحة، وبالتالي فقدان توازنها الداخلي، وهو ما قد يشكل فرصة لخصومها لحشد المعارضة في الداخل.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ستتحول إيران إلى دولة عسكرية صرفة، أم ستنجح في إعادة إنتاج نخبتها رغم النزيف القيادي؟