هرمز واستراتيجية الخنق الذكي: كيف أربكت طهران حسابات واشنطن؟

إيران اعتمدت استراتيجية ضغط ذكية مستغلة جغرافيتها، حيث سيطرت على شريان الاقتصاد العالمي ورفعت كلفة المواجهة على خصومها.

منذ الضربة الأولى التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة في 28 فبراير/شباط 2026 على إيران، والتي أدت إلى اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، تغيرت استراتيجية الرد الإيراني، فطهران، التي وجدت نفسها في معركة وجودية أمام خصم متفوق عسكريًا وسيبرانيًا، كان عليها أن تجد حلاً للرد دون أن تجعل من ضرباتها انتحارًا عسكريًا. ولم يكن هذا الحل سوى نقل المعركة إلى الساحة الاقتصادية وتهديد سوق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد.

إن ما يجري في مضيق هرمز ليس مجرد ضغط عسكري على حرية الملاحة، بل هندسة متقنة في الرد على العدو تهدف إلى رفع كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي، وجعل الجميع يخسر بدرجات متفاوتة في حرب لم يشارك فيها، فبعد أن قامت لجنة الحرب المشتركة في لندن بتوسيع قائمة المناطق المصنفة كمناطق حرب لتشمل كل دول الخليج، انسحبت بعض شركات التأمين الدولية، وبعضها الآخر عاد بأسعار باهظة بلغت 3 ملايين دولار للرحلة الواحدة، ولا تزال في ارتفاع، مما يكلف الأسواق العالمية الكثير إلى جانب ارتفاع أسعار النفط التي لا تزال فوق 100 دولار للبرميل.

وهذا ما يجعلنا نقرأ السلوك الإيراني كمناورة سياسية استهدفت شل حركة شريان الاقتصاد العالمي حتى تُجبر الولايات المتحدة وإسرائيل على إنهاء الحرب، وبالتالي إعلان هزيمتهما.

غير أن أميركا استهدفت بشكل غير مسبوق جزيرة "خَرْج"، التي كانت لوقت طويل خارج حدود الهدف الأميركي، باعتبار أنها عصب الطاقة الإيرانية وأهم مركز لتصدير النفط الإيراني.

وفي حال تحقق السيناريو الفنزويلي في إيران، ستكون أول ما يستولي عليه دونالد ترامب، ولهذا السبب ظلت بعيدة لفترة عن الصراع. غير أن القصف الأخير للأهداف العسكرية داخل الجزيرة لم يمس البنية التحتية النفطية، وهو ما يؤكد أن هذه الجزيرة لا تزال محل أطماع ترامب.

ولم يجعل القصف إيران ننسحب من هرمز وبرغم من أنها لم تعلن إغلاق المضيق رسميًا، إلا أنها جعلته في حالة تعطيل فعلي، فلا يمر منه إلا من كان حليفًا معها. وبالفعل، استطاعت إيران منذ بداية الحرب تصدير ما يفوق 11 مليون برميل من النفط للعملاق الصيني، وهو ما يبعث برسالة مزدوجة للداخل والخارج تثبت أن ناقلات الحلفاء تمر بكل أمن وأن ورقة الضغط الاقتصادية لا تزال في يدها.

ورغم المقترحات الأميركية بمرافقة الناقلات عسكريًا وتأمينها، إلا أن ذلك لم يحدث، حيث حذرت وكالة "مورنينغستار DBRS" من عدم نجاح هذا الحل، فلا أحد يضمن عدم تحول المضيق إلى جبهة قتال جديدة بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران وأذرعها من جهة أخرى في حال أي تدخل عسكري. وحتى إن حدث هذا وتم تأمين الناقلات ستظل الكلفة مرتفعة، وسيقل عدد الشركات التي ستلقي بطاقمها وسفنها في ممر مائي تتصاعد منه النيران وتحفه المخاطر من كل جهة.

في الختام، تقدم إيران استراتيجية ضغط ذكية مستغلة جغرافيتها، حيث سيطرت على شريان الاقتصاد العالمي ورفعت كلفة المواجهة على خصومها. ويظل الرد الإسرائيلي الأمريكي في كنف الغموض والتردد، فإما أن تعترف تل أبيب وواشنطن بالهزيمة وتوقفا الحرب بعد ضغوطات عالمية واستنزاف اقتصادي وعسكري، أو تفتحا جبهة جديدة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، مما قد يجعل المواجهة تتسع ليدخلها كل من شعر بالتهديد على مصالحه في المنطقة. ويظل السؤال في النهاية: هل أصابت إيران في استغلالها لمضيق هرمز، وبالتالي ستربح الحرب؟ أم أنها أخطأت في تحويل أنظار الدول المتضررة نحوها؟