النوبة عند الأسواني أكثر من مجرد مكان
يُلقب الأديب المصري عبدالوهاب الأسواني (1934 – 2019) بـ "حكّاء الجنوب"، حيث تتمحور معظم أعماله حول تحولات الجنوب المصري (الصعيد والنوبة). وتركز رواياته على قيم القبيلة، وصراعات الأقاليم، وتأثير التغيرات الاجتماعية على مجتمعات الصعيد.
وقد برع عبدالوهاب الأسواني بشكل أساسي في الرواية والقصة القصيرة، معتمدًا على سرد كلاسيكي غني بالتفاصيل الواقعية عن الحياة الريفية والقبلية النوبية. يميل الأسواني إلى الواقعية الاجتماعية ورصد صراع القيم الموروثة مع الحداثة في بيئات مغلقة نوعٍا ما.
وتُعدُّ رواية "سلمي الأسوانية" (وقد صدرت في طبعتها الثانية عام 2013) من أشهر أعماله، وتدور أحداثها في عمق النوبة/الجنوب المصري، حيث يرصد الكاتب التداخل بين الواقع الملموس وبين الأساطير الشعبية. وهي تتناول الصراع بين موروثات القبيلة وتطلعات الفرد، وتبرز فيها شخصية المرأة (سلمى) كمحور للتحولات الاجتماعية والوجدانية في القرية النوبية. ويعتمد الأسواني على سرد حكائي كلاسيكي يميل إلى "التشريح الاجتماعي" للمجتمع الصعيدي أو النوبي، مع لغة غنية بالتفاصيل المحلية.
ويُعد الأسواني أحد أبرز من نقلوا "الخصوصية النوبية" إلى الأدب العربي الحديث؛ حيث لم تكن النوبة عنده مجرد ديكور مكاني، بل كانت ذاكرة للهجرة والتهجير، فقد تأثر أدبُه بعمق بمأساة تهجير النوبيين بعد بناء السد العالي. وفي أعماله، يظهر "الفقد" كعنصر أساسي، حيث يعبر عن الحنين (النوستالجيا) للأرض الغارقة وتغير نمط الحياة. وقد استطاع أن يدمج االأساطير النوبية في نسيج واقعي، مما جعل قصصه تمزج بين الفلكلور والواقع الاجتماعي القاسي. ويرصد في أعماله (مثل "سلمى" و"أخبار الدراويش" و"النمل الأبيض") كيف تقاوم الثقافة النوبية الاندثار وكيف يتشكل وعي جيل جديد بعيدًا عن "بلاد الذهب" الأصلية.
لقد ارتبط الأسواني بالأرض، وحصل على 11 جائزة مصرية وعربية من بينها المركز الأول في خمس مسابقات للقص، كما حصل في عام 2011 على جائزة الدولة التقديرية في الآداب.
ويظل أدب عبدالوهاب الأسواني هو "صوت الهوية والجذور" التي تخشى الضياع، وروايته "النمل الأبيض" تنتمي لأدب الجنوب الصعيدي، وعالم النوبة، وتدور أحداثها في بيئة "النوبة" والمناطق المهمَّشة. وتتناول الصراع الإنساني المرتبط بالأرض والتحولات الاجتماعية العنيفة التي تلتهم الهوية (كرمزية النمل الأبيض الذي يأكل الأخضر واليابس) حيث تبرز الرمزية من خلال القوة التدميرية الصامتة التي تنخر في عصب المجتمع والتقاليد القديمة.
يميل أسلوب عبدالوهاب الأسواني في "النمل الأبيض" إلى الأسلوب الملحمي واللغة المستمدة من التراث الشعبي والبيئة النوبية، مع التركيز على "البطل الجماعي" الذي يواجه المصير. وتغوص "النمل الأبيض" في الجذور والمكان وصراع البقاء الاجتماعي.
إن النوبة تُعد في أدب عبدالوهاب الأسواني أكثر من مجرد "مكان"، بل هي بطل حي ورمز للهوية المهدَّدة. إنها الأرض المفقودة (الفردوس) حيث تظهر كرمز للـ "الجنة الضائعة" قبل التهجير، وحيث يمثل المكان الطهر والسكينة في مواجهة صخب وزيف المدينة. ورمز "النمل الأبيض" يشير إلى القوى التي تنخر في هذا التراث. النوبة هنا هي الرمز المقابل؛ الحصن الذي يحاول الأبطال حمايته من "التآكل" الثقافي والاجتماعي، حيث يربط الأسواني النوبة بجذورها الفرعونية والإفريقية، لتصبح رمزًا للأصالة المصرية التي لم تتلوث بالتحولات المادية الحديثة. كما أن النوبة تمثل في أعمال الأسواني "وجع البعاد"؛ فهي الحاضرة في الوجدان والغائبة على أرض الواقع، مما يجعلها رمزًا للحنين الدائم والبحث عن الذات.
البطل عند الأسواني هو "الإنسان الشعبي" المحكوم بظروف بيئته القبلية وتراثه النوبي. وهو يمثل محور القضية الوجودية والمرتبط برمزية "النمل الأبيض" (التآكل)، إنه بطل محلي مرتبط بالأرض (النوبة) وتاريخها، صراعه داخلي ضد اندثار الهوية.
والمرأة النوبية عند الأسواني ترمز إلى الصمود الصامت والمرارة. إنها تفقد تدريجيًّا (الأرض، البيت، النيل، الهويّة). لقد كانت حارسةً للتراث. ورد فعلها ليس الصدمة، بل هو التمسك الوجداني بما ضاع. هي التي تحفظ الحكايات، وتواجه "النمل الأبيض" (الدمار) بالاستمرار في ممارسة الطقوس والارتباط النفسي بالنخيل والنيل، غير أنها بطلة "ستاتيكية" (ثابتة) في قيمها، تمثل الجذور التي ترفض الاقتلاع، وهي تحاول منع "الرحيل" نفسه عن طريق الذاكرة في مواجهة التلاشي. وعلى ذلك يترك عبدالوهاب الأسواني القارئ أمام مواجهة حتمية مع "القدر والزمن".
إن نهايات أعمال الأسواني غالبًا ما تكون ملحمية ومثقلة بالواقعية، حيث نرى انتصار الرمز التدميري في "النمل الأبيض"، وتظل القوة التدميرية (النمل/التحول الاجتماعي) قائمة، والبيئة النوبية القديمة تواجه خطر الاندثار الحقيقي.
وتنتهي رواية الأسواني والمرأة النوبية ما زالت تمارس دورها كـ "حارسة"، لكنها حارسة لشيء يتسرَّب من بين أصابعها. النهاية هنا تراجيدية، تعكس الصراع بين الإنسان والزمن الذي لا يرحم. وتبعث الرواية برسالة مهمة مفادها أن التغيير الذي يلتهم الجذور هو عدو صامت وقوي، والمواجهة تتطلب أكثر من مجرد التمسك بالذكريات. إنها دعوة للحفاظ على ما تبقى قبل أن يأكله النمل الأبيض.