'صاحبك راجل' يعكس نضج الاقتباس من السينما

تحويل الفيلم إلى سيتكوم رمضاني يكشف محاولة أكثر وعيًا لتوسيع الحكاية السينمائية عبر إضافة شخصيات وخطوط درامية جديدة، بما يخلق تجربة مشاهدة مختلفة عن النسخة المعروضة في القاعات.

تواصل قناة نسمة الخاصة توجّهها في تحويل أفلام المخرج قيس شقير إلى أعمال كوميدية رمضانية قصيرة (سيتكوم)، وهو مسار بدأته منذ رمضان 2023 مع تحويل فيلم "سبق الخير" إلى عمل تلفزيوني. وقد أثار هذا الخيار آنذاك العديد من التساؤلات حول ما إذا كان يعكس أزمة في النصوص والأفكار، رغم نسب المشاهدة المرتفعة التي تحققها أعمال شقير حتى الآن. فبينما اعتبر بعض المشاهدين أن هذه الصيغة تمثل فرصة لمتابعة أفلامه خارج قاعات السينما، وجد عشاق الفن السابع، ممن سبق لهم مشاهدتها في القاعات، أنفسهم أمام إعادة للمشاهد نفسها. غير أن تجربة هذا الموسم بدت أكثر نضجًا، إذ لم يقتصر الأمر على إعادة تقديم فيلم، بل شمل إضافة أحداث وشخصيات جديدة لم تكن حاضرة في النسخة السينمائية.

وقد فاجأ طاقم عمل "صاحبك راجل2"، الذي سبق أن أثبت قدرته على المزج بين الكوميديا والدراما الاجتماعية بطريقة جذابة للجمهور، المتابعين بتقديم نسخة تلفزيونية مختلفة إلى حد بعيد عن الفيلم الأصلي. ويضم الفريق المخرج قيس شقير، إلى جانب الكاتبين زين العابدين المستوري وأحمد الصيد، فيما تولّى مجمع القوبنطيني إنتاج العمل وتوزيعه. وبدت مشاهد الفيلم داخل السلسلة التلفزيونية أقرب إلى لقطات عرضية أو مواد أرشيفية أُدرجت لخدمة السرد، بدل أن تكون الهيكل الأساسي للحبكة.

ويبدو أن قرار نقل العمل من الشاشة الكبيرة إلى الشاشة الصغيرة كان هذه المرة أكثر تخطيطًا، خاصة في ظل النجاح الذي حققه الفيلم على مستوى شبابيك التذاكر. فقد نجح صناع العمل في خلق رابط أقوى بين المشاهد والسلسلة، بحيث لم يعد المتلقي منشغلاً بالمقارنة بين النسخة السينمائية وما يعرض تلفزيونيًا، بل أصبح متشوقًا لمتابعة خط درامي جديد تشكلت ملامحه عبر شخصيات وأحداث مستحدثة، في مقابل غياب بعض الشخصيات التي كانت بارزة في الفيلم. وكان غياب النجمة كوثر الباردي من أبرز هذه الملاحظات، إذ اقتصر حضورها على لقطات مأخوذة من الفيلم أُدرجت داخل العمل التلفزيوني، مع تبريرات بدت غير مقنعة لدى جزء من الجمهور.

وقد نجح الفيلم بجزأيه في نقل المشاهد إلى عالمه المفعم بالإثارة والتشويق، وخاصة بالكوميديا. وينطبق الأمر ذاته على النسخة التلفزيونية، غير أن كاميرا قيس شقير التقطت جانبًا آخر من التفاعل داخل العمل، تمثل في خروج بعض الممثلين عن النص، وعلى رأسهم النجم ياسين بن قمرة. فقد بدا، على امتداد الحلقات الست عشرة، وكأنه يحاول كبح ضحكه في أكثر من مشهد، حتى بدت تعابير وجهه متشابهة في عدد من اللحظات، بما في ذلك المشاهد الجدية أو تلك التي كان يُفترض أن يظهر فيها في حالة غضب.

ومع ذلك، يمكن قراءة هذا التفلت العفوي من الضحك بوصفه عنصرًا إيجابيًا يعكس روح العمل الكوميدية. فياسين بن قمرة، المعروف بمشاركاته في عدد من المسلسلات التونسية البارزة مثل "مكتوب" بدور إلياس عبدالحق و"أولاد مفيدة" بدور بدر بن صالح، إلى جانب حضوره في أفلام عربية وأوروبية تحت إشراف مخرجين من بينهم سامي الفهري وعبدالقادر الجربي وبيتر ويبر وجياكومو كامبيوتي وكارمين إيليا وبيير بيلوني، استطاع أن يضفي على الشخصية بعدًا تلقائيًا يجعل الضحك نفسه جزءًا من أداء الدور.

ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار ضحك بن قمرة انعكاسًا لنجاح العمل في خلق مساحة مشتركة بين الممثل والمشاهد، تصبح فيها الكوميديا لغة التواصل الأساسية، خاصة وأن السلسلة تُعرض مباشرة بعد الإفطار، في توقيت يبحث فيه الجمهور عادة عن الترفيه والخفة.

ويضم العمل نخبة من أبرز نجوم التمثيل والكوميديا في تونس، من بينهم: كريم الغربي، ياسين بن قمرة، صلاح مصدق، سفيان الداهش، يونس الفارحي، نور الدين بوحجبة، لبنى السديري ومحمد السويسي.

ويُعدّ نور الدين بوحجبة أحد أبرز اكتشافات العمل، إذ نجح في ترك أثر واضح لدى الجمهور التونسي من خلال العبارات التي يرددها بأسلوب خاص. فرغم تقديم شخصيته منذ الجزء الأول على أنها شاب عاطل عن العمل ينخرط في بيع المخدرات وتعاطيها، فإن حضوره الكوميدي اللافت مكّنه من تحقيق شعبية واسعة في الشارع التونسي.

وعلى مستوى البناء الدرامي، يتناول العمل شبكة معقدة من العلاقات الإنسانية التي تكشف عن صراعات نفسية واجتماعية متعددة المستويات. فقد دار الجزء الأول حول شخصية عبدالعزيز (كريم الغربي)، الشاب العاطل عن العمل الذي يتم انتدابه للانضمام إلى سلك الأمن. يدخل عبدالعزيز هذا العالم وهو يحمل تصورات مسبقة عن مؤسسة يعتقد أنها لا تزال مثقلة بإرث النظام السابق وما ارتبط به من فساد ورشوة وعنف، لكنه سرعان ما يصطدم بمبادئ رئيسه المباشر مهدي الطاغرتي (ياسين بن قمرة)، الضابط النزيه الذي يرفض تجاوزات المهنة. ومع تطور الأحداث تتحول العلاقة بينهما من شراكة مهنية متوترة إلى صداقة عائلية متينة، قبل أن يؤدي استشهاد مهدي في عملية أمنية ضد الإرهاب إلى منح القصة بعدًا إنسانيًا أعمق، خاصة مع عودته لاحقًا في سياق درامي مفاجئ.

أما الجزء الثاني، فيقدم مغامرة جديدة لكل من عزوز ومهدي، حيث تمتزج مشاهد الأكشن بالكوميديا والرومانسية. وبعد أن تنافس الصديقان في الجزء الأول للفوز بقلب امرأة، يتجدد الصراع بينهما هذه المرة حول أهداف مختلفة، ما يقودهما إلى سلسلة من المواقف المتوترة والمفارقات الكوميدية، ضمن حبكة مليئة بالمطاردات والأحداث المشوقة التي تحافظ على إيقاع العمل وتبقي المشاهد في حالة ترقب دائم.

في المحصلة، يبدو أن تجربة تحويل الفيلم إلى سلسلة رمضانية لم تعد مجرد إعادة تدوير لعمل سينمائي ناجح، بل محاولة لإعادة إنتاجه ضمن لغة تلفزيونية مختلفة تراهن على الإيقاع السريع والتفاعل اليومي مع الجمهور. وبين نجاحها في توسيع العالم الدرامي وإضافة شخصيات وخطوط سردية جديدة، تبقى هذه التجربة اختبارًا لقدرة الدراما التونسية على استثمار نجاحاتها السينمائية دون الوقوع في فخ التكرار، وهو رهان يبدو أن صُنّاع العمل اقتربوا هذه المرة من كسبه.