'النويلاتي' يعيد سامر المصري إلى واجهة المشهد الفني السوري

كان لكل ممثل بهذا المسلسل المنتمي للبيئة الشامية حضور يميزه، فكنا أمام عمل متكامل نصًا وتمثيلًا وإخراجًا.

بعد ابتعاده لفترة طويلة عن الدراما السورية، واقتصار مشاركاته على الأعمال المصرية والمعرَّبة أثناء إقامته في دبي في السنوات الأربع عشرة الماضية، يعود النجم سامر المصري هذا العام إلى هذه الدراما من الباب العريض عبر مسلسل بيئة شامية جديد بعنوان "النويلاتي". وهو الذي اشتهر بدور العكيد أبو شهاب في مسلسل باب الحارة، حيث يلعب في هذا العمل الذي يُعرض هذا العام في رمضان دور البطولة. المسلسل من تأليف عثمان جحا، وإخراج يزن شربتجي، ومن إنتاج شركة غولدن لاين والتلفزيون السعودي. ويؤدي فيه شخصية الغوّاص، الرجل ذو الماضي السيئ الصيت الذي يأتي إلى حارة النويلاتية ليقلب حياة الناس فيها رأسًا على عقب، ويؤكد من جديد موهبته وأداءه المحترف للجمهور السوري الذي اشتاق إلى حضوره على الشاشة.

ماض تعيس يغيره القدر:

يحكي المسلسل قصة الغوّاص (سامر المصري) الذي يهرب من السجن الذي مكث فيه ثمانية عشر عامًا بعد سرقة ذهب داوود باشا، التاجر الثري، بالاشتراك مع حبيبته زهرة (ديمة قندلفت) وصديقه أيوب (محمد حداقي). فأُلقي القبض عليه وحده، بينما استطاعا هما الهروب. وبعد خروجه من السجن يصل إلى حيّه، فيخبره أحدهم أن صديقه وحبيبته اللذين فداهما بنفسه طوال تلك السنوات يقيمان في حي يُدعى النويلاتية (نسبة إلى النول التي تُصنع به الخيوط المستخرجة من دودة القز، وهي مهنة قديمة في دمشق). ويساعده صاحب المقهى في الحي بأن يسافر مع قافلة متجهة إلى ذلك الحي، دون أن يعلم أن رئيس القافلة هو فيصل (يزن السيد)، الذي أوصى إبراهيم باشا (فايز قزق)، شيخ كار النويلاتية الذي قُتل في بداية المسلسل، بأن يكون هو النويلاتي من بعده.

وفي الطريق إلى النويلاتية يتعرّف الغواص إلى فيصل جيدًا، فيُعجب الأخير بشهامته وشجاعته ويستأمنه. لكن ما لم يكن متوقعًا قد حدث؛ إذ تعرّضوا لهجوم مسلح من قبل رجال عصابة الضبع (علاء قاسم)، الذي أرسله صلاح الجميلي (فادي صبيح)، التاجر الشرير الجشع، لقتل النويلاتي الجديد كي يكون المنصب له وحده. فيُقتل فيصل إثر هذا الهجوم كما كان متوقعًا، لكنه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة يوصي الغواص بأن يكون هو النويلاتي الجديد، وأن يغيّر اسمه ليصبح فيصل باشا. وهذا ما يحدث فعلًا.

يصل الغواص إلى حي النويلاتية، وعند وصوله يتعارك مع لصوص هجموا على مزرعة يُستخرج فيها الحرير من دودة القز، تعود ملكيتها إلى حسنا النويلاتي (نادين تحسين بك)، ويطرحهم أرضًا، فيذهل الناس من شجاعته. ثم يصل إلى الحي ويخبر أهله أنه النويلاتي الجديد، ويقابل صديقه القديم أيوب، الذي يخبره أن زهرة لم تعد الفتاة التي كان يحبها منذ زمن، بل أصبح اسمها خولة خانم (ديمة قندلفت)، زوجة سعيد النويلاتي (رامز الأسود)، التاجر الكبير.

يبدأ الصدام بينه وبين صلاح، الذي يريد التخلص منه بأي طريقة، فيحاول قتله مرارًا ويفشل. وحتى خولة، التي كانت تحبه، تريد التخلص منه كي لا يكتشف سرها، لكنها لا تستطيع. وفي كل مرة يتفاجؤون بقوته وشجاعته. وتبلغ هذه الشجاعة ذروتها حين يدخل في عراك مع المصارع الوحشي المسمى الكبش، الذي يحضره صلاح الجميلي كل عام لمنازلة الناس في الحي، ولم يستطع أحد يومًا أن يهزمه، إلا الغواص أو فيصل، ما يصيب صلاح وبقية سكان الحي بالذهول، ثم يطالبونه بأن يكشف لهم وصية إبراهيم باشا كي يصدقوا أنه خليفته، فيقرؤها عليهم بعد أن أحضرها من أبو مرام (يوسف المقبل). لكن صلاح لا يعترف بها ويمزقها، ويقول إنه الأحق بالمنصب وحده. غير أن الغواص يقول له إن أحدًا منهم لا يستحق المنصب، ويقرر أن يكون شيخ الكار التاجر مطانيوس باشا أبو عيسى (طارق مرعشلي)، المعروف بنزاهته في السوق. فيوافق الجميع، ويبدأ الصراع، وتتصاعد الأحداث.

إخراج احترافي ونص قوي وأداء متقن:

قدّم المخرج يزن شربتجي هذا النص بعين الخبير، وهو الآتي من عالم التصوير التلفزيوني والسينمائي، فكانت كادراته احترافية وتشكيلاتها بديعة، خصوصًا في مشاهد الطبيعة. وجاءت لقطاته متدفقة بسلاسة، إذ صوّر كل مشهد بعناية فائقة، وحرّك كاميرته بتناغم وسلاسة متنقلًا بين اللقطات العامة والمتوسطة والقريبة، على وقع موسيقى رعد خلف الملحمية التي تحاكي روح النص، الذي كُتب بمهارة كاتب محترف يعرف تفاصيل البيئة التي يقدمها جيدًا. حتى إن أهل الحارة يظهرون وهم يسهرون في الحانة ويشربون الخمر، وتظهر راقصات ومغنيات، وكلها مظاهر لم تكن تُقدَّم سابقًا في أعمال البيئة الشامية، فكان النص مميزًا ومتقنًا. أما توزيع الأدوار فكان موفقًا؛ فقد أدى سامر المصري دور الغواص بواقعية وتلقائية، مضيفًا إليه حسه الساخر الذي يتميز به. وكعادته ينسب قولًا شهيرًا للشخصية التي يؤديها في كل عمل، كقوله "نَمْلِت" في هذا المسلسل، ما يذكرنا بعبارته الشهيرة في مسلسل باب الحارة: "شكلين ما بحكي"، فكان بطلًا شعبيًا حقيقيًا في هذا الدور الذي أعاد له مجده.

أما فادي صبيح، فكان حضوره طاغيًا، إذ استطاع تقمّص شخصية التاجر الجشع الشرير باحترافية. أما رامز الأسود، فقد أبدع في دور الرجل الخانع ضعيف الشخصية الذي يتكلم كالنساء ويقلد حركاتهن، فكان هذا الدور إضافة جديدة له. وبالنسبة إلى الأدوار النسائية، فقد كان أداء الممثلة نادين تحسين بك مقنعًا، ترك أثرًا كبيرًا لدى المشاهد، فأدت دور المرأة المظلومة المغلوب على أمرها التي تغزو وجهها تعابير الحزن والانكسار. أما ديمة قندلفت فقد نجحت، كعادتها، في أداء الشخصيات المركبة، فكانت المرأة اللعوب المخادعة. أما باقي الممثلين، فكان لكل منهم حضور يميزه، فكنا أمام عمل متكامل نصًا وتمثيلًا وإخراجًا.