أوتار الأندلس تُعانق الروح في رمضان المغرب

من قرطبة وإشبيلية انطلقت الموسيقى الأندلسية لتصبح أحد أبرز الفنون الكلاسيكية، محافظة على حضورها في الذاكرة حتى اليوم.

الدار البيضاء (المغرب) - مع حلول شهر رمضان المبارك، يستعيد المشهد الثقافي في المغرب واحدة من أكثر تعبيراته الفنية ارتباطا بالوجدان والروح، حيث تعود الموسيقى الأندلسية لتصدح في المسارح والفضاءات الثقافية، حاملة معها عبق التاريخ وأصداء حضارة عريقة امتدت عبر قرون.

وفي هذا الشهر الذي يختلط فيه الصفاء الروحي بجمال الطقوس الاجتماعية، تجد الأنغام الأندلسية مكانها الطبيعي في قلوب المغاربة، إذ تشكل جزءاً من ذاكرتهم الثقافية وتراثهم الفني العريق.

وفي هذا الإطار، تستعد مدينة الدار البيضاء لاحتضان أمسية فنية مميزة تعكس هذا الارتباط العميق بين التراث الموسيقي والروحانية الرمضانية.

وتنظم الجمعية المغربية للموسيقى الأندلسية، في الرابع عشر من مارس الجاري على خشبة مسرح "محمد زفزاف"، حفلا موسيقيا كبيرا تحت شعار "ليلة أندلسية بين النور والروحانية"، في احتفاء فني يسعى إلى إبراز جماليات هذا الفن الكلاسيكي الذي ظل حاضراً في الوجدان المغربي عبر الأجيال.

ومن المنتظر أن تحيي هذه الأمسية أوركسترا محمد العربي المرابط بقيادة المايسترو محمد العروسي، الذي يعد من أبرز الأسماء الموسيقية التي كرّست جهودها للحفاظ على هذا التراث الفني وصونه من الاندثار.

وسيقدم الحفل برنامجا موسيقيا أُعد بعناية ليأخذ الجمهور في رحلة فنية عبر أجمل مقطوعات الريبرتوار الأندلسي المغربي، حيث تتناغم أصوات الآلات الوترية مع جمال الإنشاد الجماعي في أجواء تعكس عمق البعد الروحي لهذا الفن.

ويمكن فهم أهمية هذه الأمسية بالعودة إلى جذور الموسيقى الأندلسية، التي تعد واحدة من أبرز الفنون الموسيقية التي نشأت في الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس. فقد تشكل هذا الفن عبر تفاعل ثقافي واسع جمع بين التأثيرات العربية القادمة من المشرق وبين الموسيقى المحلية في شبه الجزيرة الإيبيرية، إلى جانب عناصر من الثقافة المتوسطية. ونتيجة لهذا التفاعل الحضاري، نشأ نمط موسيقي غني بالتنوع والثراء الفني.

وتعود بدايات الموسيقى الأندلسية إلى القرون الأولى لوجود العرب والمسلمين في الأندلس، بعد دخولهم شبه الجزيرة الإيبيرية عام 711 ميلادية.

ومع ازدهار المدن الأندلسية مثل قرطبة وإشبيلية وغرناطة، تطورت الحياة الثقافية والفنية بشكل ملحوظ، وأصبحت هذه المدن مراكز مهمة للفنون والآداب، حيث ازدهرت فيها الموسيقى والغناء إلى جانب الشعر والعلوم.

ويبرز في هذا السياق اسم الموسيقي الشهير زرياب، الذي يعد أحد أهم الشخصيات التي أسهمت في تطوير الموسيقى الأندلسية وترسيخ قواعدها الفنية. فقد قدم زرياب إلى الأندلس في القرن التاسع الميلادي قادماً من بغداد، حاملاً معه تقاليد موسيقية مشرقيّة متقدمة اكتسبها خلال دراسته على يد الموسيقي الكبير إسحاق الموصلي. وتمكن زرياب من إحداث تحول كبير في الحياة الموسيقية في قرطبة، إذ أسس مدرسة موسيقية رائدة وقدم أساليب جديدة في الأداء والغناء.

وارتبط اسمه بإدخال تعديلات مهمة على آلة العود، أبرزها إضافة الوتر الخامس، فضلاً عن تطوير تقنيات العزف وتقديم أساليب موسيقية أكثر تنوعاً. وأسهمت ابتكاراته في إرساء أسس الفن الموسيقي في الأندلس، ما ساعد على انتشار هذا الفن وازدهاره في القصور والمجالس الثقافية.

ومع مرور الزمن، تطورت القوالب الموسيقية في الأندلس لتتشكل بنية فنية متكاملة تعرف بـ"النوبة الأندلسية"، وهي مجموعة من القطع الموسيقية والغنائية التي تعتمد على مقام موسيقي واحد وتؤدى وفق تسلسل محدد.

وتضم النوبة عادة مقاطع متنوعة تجمع بين المقدمات الموسيقية والموشحات والأزجال، وتتنوع إيقاعاتها من البطء إلى السرعة، ما يمنح الأداء الموسيقي طابعاً درامياً يعكس حالات وجدانية مختلفة.

وقد شهدت الموسيقى الأندلسية ازدهارا كبيرا في ظل رعاية الخلفاء والأمراء الذين أولوا الفنون اهتماماً خاصاً، فانتشرت المجالس الموسيقية في القصور والبيوت الثرية، وأصبحت الموسيقى جزءا أساسيا من الحياة الاجتماعية والثقافية. كما ظهر عدد من الشعراء والملحنين الذين أسهموا في تطوير النصوص الغنائية، ومن أبرزها الموشحات الأندلسية التي تعد من أهم الابتكارات الشعرية في تاريخ الأدب العربي.

ويتميز الموشح الأندلسي ببنيته الشعرية الخاصة التي تختلف عن القصيدة التقليدية، إذ يعتمد على تنويع القوافي والإيقاعات بما يسمح بتلحينه وأدائه جماعياً، الأمر الذي أضفى عليه طابعاً موسيقيا مميزا وساهم في انتشاره في المجالس الفنية.

ومع سقوط المدن الأندلسية في أيدي الممالك الإسبانية خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، اضطر العديد من الموسيقيين والعلماء إلى الهجرة نحو بلدان شمال إفريقيا، خصوصا المغرب والجزائر وتونس. وهناك حملوا معهم تراثهم الموسيقي الذي وجد بيئة جديدة سمحت له بالاستمرار والتطور.

وفي المغرب تحديداً، استطاعت الموسيقى الأندلسية أن تحافظ على حضورها كفن كلاسيكي رفيع، حيث عرفت باسم "طرب الآلة"، وأصبحت جزءا مهما من الهوية الثقافية المغربية. وقد تطورت مدارسها في مدن مثل فاس وتطوان وسلا، وأسهم شيوخ هذا الفن في الحفاظ على بنيته الموسيقية وقواعده التقليدية.

ومن حيث الآلات الموسيقية، فتعتمد الموسيقى الأندلسية على مجموعة من الآلات التقليدية مثل العود والكمان والرباب والقانون والناي، إلى جانب الآلات الإيقاعية مثل الدف والطبل. وتؤدى هذه الموسيقى عادة ضمن فرق جماعية تتناوب فيها الأصوات والآلات، ما يخلق تناغماً موسيقياً ثرياً يعكس روح الأداء الجماعي.

وفي شهر رمضان، تكتسب الموسيقى الأندلسية في المغرب بعدا روحانيا خاصا، إذ ترتبط العديد من نصوصها بالمدائح النبوية والابتهالات التي تعبر عن الصفاء الروحي والتأمل. وتنسجم هذه الأجواء مع روح الشهر الفضيل الذي يشجع على التأمل والتقرب إلى الله.

وفي هذا السياق، أوضحت فاطمة مبشور، الرئيسة المؤسسة للجمعية المغربية للموسيقى الأندلسية، أن هذا الفن يشكل جزءاً مهماً من الذاكرة الثقافية المغربية، مؤكدة أن "الموسيقى الأندلسية خلال شهر رمضان تسمو بالأرواح وتنقل إرثاً حضارياً عريقاً يمتد عبر قرون".

ومنذ تأسيسها، أخذت الجمعية المغربية للموسيقى الأندلسية على عاتقها مهمة الحفاظ على هذا التراث الفني، من خلال تنظيم الحفلات الموسيقية والأنشطة الثقافية التي تسهم في تعريف الجمهور بهذا الفن العريق. كما تعمل الجمعية على تشجيع الأجيال الجديدة على تعلم الموسيقى الأندلسية وإتقان تقاليدها الفنية.