حزب الله يستعيد أبجديات حرب العصابات
بيروت - في وقت تتصاعد فيه نذر المواجهة الشاملة على الجبهة الشمالية، كشفت مصادر ميدانية مطلعة عن تحول جوهري في التكتيكات العسكرية لحزب الله، حيث تعود الجماعة إلى "قواعدها الأولى" في خوض حرب عصابات طويلة الأمد. وتأتي هذه التحركات في إطار استراتيجية استباقية لمواجهة غزو إسرائيلي محتمل، مستمدةً دروساً قاسية من مواجهات سابقة، ومعتمدةً على هيكلية "الوحدات الصغيرة" المستقلة لتجاوز التفوق التكنولوجي والاستخباراتي الإسرائيلي.
وذكرت المصادر المطلعة على الأنشطة العسكرية للحزب أن مقاتلي الجماعة المدعومة من إيران يتجنبون استخدام أجهزة الاتصال التي ربما تتنصت عليها إسرائيل ويرشدون من استخدام الصواريخ المضادة للدبابات وهم يشتبكون مع القوات الإسرائيلية.
وبعد مرور 15 شهرا على قصف إسرائيل لحزب الله في آخر حرب بينهما، أشعلت الجماعة اللبنانية حملة إسرائيلية جديدة الأسبوع الماضي عندما أطلقت النار ردا على مقتل الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
ووصف الحزب، الذي تعرض لانتقادات شديدة في لبنان تقول إنه جر البلاد إلى حرب تسببت في نزوح 700 ألف شخص، أفعاله بأنها دفاع وجودي ورد على الهجمات الإسرائيلية المستمرة منذ وقف إطلاق النار في عام 2024.
ورغم تخطيط إسرائيل لاحتمال مواصلة الهجوم على لبنان بعد الحرب مع إيران، قالت المصادر إن حسابات حزب الله تعتمد على نجاة القيادة الدينية الإيرانية من الحرب، مما يؤدي إلى وقف إطلاق نار في المنطقة تكون الجماعة اللبنانية طرفا فيه.
وحزب الله جماعة شيعية أسسها الحرس الثوري الإيراني في عام 1982، وهو الفصيل اللبناني الوحيد الذي احتفظ بالسلاح بعد انتهاء الحرب الأهلية، التي دامت من عامي 1975 و1990، لمحاربة القوات الإسرائيلية التي احتلت جنوب لبنان حتى انسحابها في عام 2000.
وزادت شعبية حزب الله بين الشيعة بسبب الدور الذي لعبه في طرد القوات الإسرائيلية من المنطقة، لكن قراره بالدخول في الحرب الإيرانية أثار انتقادات من الطائفة الشيعية.
وجاءت هذه الحرب في مرحلة حرجة بالنسبة للحزب. وتعرض الحزب لضغوط من الدولة اللبنانية لتسليم سلاحه بعدما أضعفته حرب 2024 بشكل كبير. وحظرت حكومة بيروت الأسبوع الماضي أنشطته العسكرية.
وأدت الإطاحة بالحليف السوري الرئيس بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 إلى زيادة الضغوط التي يتعرض لها حزب الله منذ حرب عام 2024، مما قطع طريق الإمداد الرئيسي من إيران.
وقالت المصادر إن معظم القتال الذي يخوضه الحزب على الأرض مركز حتى الآن بالقرب من بلدة الخيام القريبة من الحدود اللبنانية مع إسرائيل وسوريا.
ويعتقد الحزب أن أي غزو بري إسرائيلي قد يبدأ من هذه المنطقة. وأفادت رويترز الأسبوع الماضي بأن مقاتلي وحدة الرضوان، الذين انسحبوا من جنوب لبنان بعد وقف إطلاق النار في عام 2024، عادوا إلى المنطقة.
وقال مصدر أمني إسرائيلي إنه لا توجد أي مؤشرات على أن حزب الله يسعى إلى تخفيف حدة التوتر، بل الأمر على العكس تماما. ورغم أن إسرائيل قضت على عدد قليل من كبار قادتها، يبدو أن الجماعة تمكنت من تثبيت ركائز صفوفها واتخاذ قرارات وتنفيذها.
وذكر اثنان من المصادر اللبنانية أن حزب الله عين أربعة نواب لكل قائد لضمان استمرار العمليات. وقال الجيش الإسرائيلي إنه قصف مئات الأهداف التابعة لحزب الله منذ الثاني من مارس/آذار، وشن غارات جوية في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، التي يسيطر عليها الحزب، ووادي البقاع شرقا.
وأرسل الجيش الإسرائيلي أيضا عددا إضافيا من الجنود إلى جنوب لبنان حيث بقيت بعض القوات منذ عام 2024، وأقام ما أسماها مواقع دفاعية أمامية لدرء خطر أي هجمات من حزب الله على شمال إسرائيل.
وقال مسؤولون لبنانيون مطلعون على التحقيق الذي أجراه حزب الله بعد الحرب بشأن الانتهاكات إن إسرائيل لم تفجر فقط المئات من أجهزة الاتصال (بيجر) التي كان الحزب يستخدمها في 2024، وإنما اخترقت أيضا شبكة الهواتف الخاصة بالجماعة. وقالت المصادر إن الحزب يتجنب أي أجهزة يمكن أن تكون عرضة للتنصت.