الليالي الرمضانية في دمشق القديمة تستعيد روح المدينة

المقاهي الدمشقية لعبت دورًا مهمًا في ترسيخ الثقافة وكانت فضاءً لسماع الشعر والقصص الشعبية ومناقشة شؤون المجتمع.

دمشق - تُعدّ السهرات الرمضانية في أحياء دمشق القديمة، من أكثر العادات الاجتماعية التي تعكس روح المدينة وتاريخها العريق. فتتحول الأزقة الحجرية والساحات الصغيرة إلى فضاءات نابضة بالحياة، حيث تمتزج الروحانية بالفرح الشعبي، وتستعيد المدينة شيئًا من ملامحها التاريخية التي تشكلت عبر قرون طويلة.

ورغم التحولات التي شهدتها سوريا خلال السنوات الماضية، ما تزال السهرات الرمضانية في دمشق القديمة تحتفظ بمكانتها في وجدان أهل المدينة. فهي ليست مجرد تجمعات اجتماعية، بل جزء من ذاكرة جماعية تربط الحاضر بالماضي، وتعيد إحياء روح المدينة التي لطالما اشتهرت بأنها مدينة الحياة والدفء الإنساني.

وترتبط هذه السهرات بتاريخ دمشق، إذ كانت المدينة منذ العهد الأموي مركزًا للحياة الاجتماعية والثقافية في المشرق. وكان سكانها يجتمعون في الأسواق والخانات والساحات بعد صلاة التراويح، في تقليد استمر عبر العصور العثمانية وحتى اليوم.

كما لعبت المقاهي الدمشقية دورًا مهمًا في ترسيخ ثقافة السهر الرمضاني، حيث كانت فضاءً لسماع الشعر والقصص الشعبية ومناقشة شؤون المجتمع. ومن أشهر هذه الظواهر شخصية الحكواتي التي ظلت لعقود جزءًا من ذاكرة المدينة الثقافية.

ولا يمكن الحديث عن ليالي رمضان في دمشق دون الإشارة إلى محيط الجامع الأموي، الذي يشكل قلب المدينة الروحي والتاريخي. ففي ساحاته وأزقته المجاورة تتجمع الحشود بعد الصلاة، وتزداد الحركة في الأسواق القديمة مثل سوق الحميدية، حيث يختلط عبق التاريخ بفرحة الشهر الكريم.

ويقول الحاج محمد سعيد أبو محمود (78 عاماً)، أحد سكان حي القيمرية، لوكالة الأنباء السورية، "رمضان زمان كان غير… كنا ننتظر الليل لنسمع قصص الحكواتي، وكانت الحارة كلها تجتمع حوله، اليوم تغيرت الدنيا، لكن روح رمضان في دمشق ما زالت هي نفسها".

ولا تزال شخصية الحكواتي حاضرة في بعض مقاهي دمشق القديمة، وإن كانت أقل انتشاراً مما كانت عليه في الماضي، ففي مقهى النوفرة الشهير قرب الجامع الأموي، يجلس الحكواتي بلباسه التقليدي، يروي قصص الأبطال الشعبيين مثل عنترة وأبي زيد الهلالي، وسط تفاعل الحاضرين الذين يجدون في هذه الجلسات نافذة على زمن جميل.

وتروي الحاجة خديجة عرقسوسي/ 66 عاماً/ ذكرياتها قائلة "كنا نذهب إلى مقهى النوفرة بعد الإفطار، ونسمع الحكواتي وهو يرفع صوته، ويضرب بالسيف على الطاولة، كانت لحظات لا تتكرر، وكل رمضان أسترجع تلك الأيام".

ولطالما شكلت القصص الشعبية جزءاً أساسياً من السهرات الرمضانية في دمشق القديمة، ويشير كبار السن إلى أن القصص والسير الشعبية لم تكن مجرد تسلية، بل كانت وسيلة لغرس القيم الأخلاقية، وتعزيز روح التعاون والشجاعة، ويذكر في هذا الصدد جمعة لحام من سكان الميدان، "الحكواتي لم يكن يروي قصة.. كان يعلمنا معنى الشهامة والكرم، كل قصة كانت لها عبرة، وكل ليلة كنا نرجع إلى البيت حاملين معنا حكمة جديدة".

وتؤكد جمانة الرفاعي أنها كانت تحب قصص الأميرة ذات الهمة، والتي كانت مثالاً للمرأة التي تقاوم ظروفها، وتتسلح بالإرادة لتواجه التحديات.

وتعد جلسات السمر الرمضانية فرصة لتعزيز الروابط الاجتماعية بين سكان الحارات، ففي حي ساروجة، يجتمع الجيران في الساحات الصغيرة، يتبادلون القصص، ويستعيدون ذكريات الطفولة، ويشارك الشباب أيضاً في هذه الجلسات، ما يجعلها مساحة للتواصل بين الأجيال.

ويقول العم عبد السلام البني أبو فراس /70 عاماً/ "أجمل ما في رمضان أنه يجمع الناس.. حتى الذين كنا لا نراهم طوال السنة كانوا يزورننا في شهر رمضان، كانت الحارة كلها تغدو عائلة واحدة".

وعلى الرغم من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها المدينة خلال العقود الأخيرة، لا تزال الليالي الرمضانية في دمشق القديمة تحافظ على جوهرها، فالأهالي يصرون على إحياء العادات التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، معتبرين أن هذه الطقوس جزء لا يتجزأ من هوية المدينة.

ويقول عدنان شكري (70 عاماً)، "ما دام هناك من يحب هذه المدينة ويحافظ على عاداتها، سيبقى رمضان في الشام الأجمل".

وهكذا تبقى الليالي الرمضانية في حارات دمشق القديمة أكثر من مجرد طقوس موسمية، إنها ذاكرة حية تنبض في وجدان أهلها، وجسر يصل الماضي بالحاضر ليروي حكاية مدينة تعرف كيف تحافظ على روحها رغم كل ما تغير حولها. حيث تتلاقى الأصوات والأنوار والقصص في لوحة واحدة تعكس استمرارية التقاليد الدمشقية جيلاً بعد جيل.