التراث العُماني ينبض بالحياة داخل البيوت القديمة
مسقط ـ تشهد سلطنة عُمان اهتماما متزايدا بالمبادرات التي تعنى بالحفاظ على التراث الثقافي، حيث أصبحت البيوت التراثية الخاصة أحد أبرز الوسائل للحفاظ على الموروث وتعريف الأجيال الجديدة والزوار بتاريخ البلاد وثقافتها.
وتشير الإحصاءات إلى أن عدد المتاحف وبيوت التراث الخاصة المرخصة في السلطنة بلغ حتى نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2025 نحو 22 متحفا وبيتا تراثيا موزعة على مختلف المحافظات.
وتتنوع هذه المؤسسات التراثية بين متاحف خاصة وبيوت تقليدية جرى تحويلها إلى مرافق ثقافية وسياحية، من بينها متحف بيت الزبير، ومتحف بيت آدم، ومتحف المكان والناس في محافظة مسقط، إلى جانب متحف ظفار الخاص، ومتحف حصن رخيوت، ومتحف تواصل الأجيال في محافظة ظفار.
كما تضم القائمة متحف مدحاء بمحافظة مسندم، ومتحف بوابة الماضي، ونزوى، وبيت الشرف، والحمراء للنقود، وبيت الصفاة التراثي بمحافظة الداخلية، إضافة إلى متحف أبناء مجان، وأمجاد عُمان، وتاريخ الأرض وبن نوروك بمحافظة شمال الباطنة، وبدية وبيت الدروازة بمحافظة شمال الشرقية، فضلًا عن متحف العفية التراثي والحميدي للتراث بمحافظة جنوب الشرقية، وبيت الغشام بمحافظة جنوب الباطنة، وبيت المنزفة بمحافظة الظاهرة.
ولا تمثل هذه المتاحف والبيوت التراثية مجرد أماكن لعرض المقتنيات القديمة، بل تعد منصات معرفية وثقافية تسهم في نشر الوعي بتاريخ عُمان وحضارتها، وتوفر في الوقت ذاته فرصًا للتعلم والبحث والابتكار.
وتقوم هذه المؤسسات بدور مهما في تعزيز الهوية لدى المجتمع، كما تسهم في دعم الاقتصاد المحلي من خلال استقطاب الزوار والسياح، فضلا عن توفير فرص عمل للشباب وتشجيعهم على الانخراط في مجالات مرتبطة بالتراث والثقافة.
وفي ولاية بهلا بمحافظة الداخلية برزت خلال السنوات الأخيرة مبادرات شبابية تسعى إلى إحياء البيوت القديمة في الحارات التاريخية وإعادة توظيفها كمواقع ثقافية وسياحية تستقطب الزوار والمهتمين بالتراث.
ومن أبرز هذه المبادرات مشروع "بيت بهلا التراثي" الذي يشرف عليه عبدالله بن ناصر القصابي، وجعل منه متحفا خاصا يعكس ملامح الحياة العُمانية التقليدية ويوثق تفاصيلها الاجتماعية والمعمارية.
وقد أصبح هذا البيت وجهة للزوار والباحثين والمهتمين بالتاريخ العُماني، حيث يجدون فيه صورة حية للحياة التي عاشها الأجداد في الماضي.
ويؤكد القصابي أن فكرة إنشاء البيت التراثي جاءت نتيجة اهتمام شخصي بالموروث الشعبي ورغبة في توثيق جوانب من الحياة التقليدية في السلطنة، مشيرًا إلى أن الاستثمار في التراث يمكن أن يشكل فرصة اقتصادية واعدة إلى جانب دوره في الحفاظ على الهوية الثقافية.
ويتكون المبنى من منزل تقليدي قديم تم ترميمه وتأهيله بعناية ليصبح متحفا تراثيا، مع الحفاظ على الطابع المعماري الأصلي للمبنى، حيث جرى الإبقاء على الأسقف الخشبية والأبواب المنقوشة والجدران الطينية التي تعكس أساليب البناء التقليدية في المنطقة.
ويحتوي البيت على أكثر من ألفي قطعة تراثية تم جمعها على مدى نحو عشرين عاما من أهالي ولاية بهلا وعدد من ولايات السلطنة. وتشمل هذه المقتنيات مجموعة واسعة من الأدوات التقليدية مثل الفضيات القديمة والجرار الفخارية والسيوف والأسلحة التقليدية، إضافة إلى مخطوطات وكتب تاريخية، وأدوات منزلية وزراعية كانت تستخدم في الحياة اليومية، إلى جانب العملات القديمة والملابس التقليدية والأدوات المدرسية القديمة وصور توثق مراحل مختلفة من الحياة الاجتماعية في الولاية.
ويشير إلى أن بعض هذه المقتنيات يتجاوز عمره خمسة قرون، ومن بينها سيوف وجرار فخارية ومخطوطات مكتوبة بخط اليد. وتخضع هذه القطع لإجراءات حفظ دقيقة تشمل التحكم في درجات الحرارة والرطوبة، إضافة إلى توثيق معلوماتها التاريخية بالتعاون مع باحثين ومهتمين بالتراث، مع الاستفادة من روايات كبار السن في المجتمع المحلي لتعزيز دقة المعلومات المرتبطة بها.
ويقدم البيت التراثي أيضا تجربة تفاعلية للزوار تعكس تفاصيل الحياة العُمانية التقليدية، حيث يتم استقبال الضيوف بالقهوة العُمانية واللبان، كما تُعرض أمامهم نماذج من الحرف اليدوية والملابس التراثية والأدوات الزراعية القديمة، ما يمنح الزائر فرصة للتعرف عن قرب على نمط الحياة في الماضي.
وفي سياق مشابه، يبرز مشروع آخر لتوظيف البيوت التراثية في المجال السياحي، وهو "بيت فنجاء التراثي" في قرية فنجاء بولاية بدبد بمحافظة الداخلية. ويعد هذا المشروع نموذجًا يجمع بين المعرض التراثي والنزل السياحي، حيث يتيح للزوار تجربة الإقامة في بيت تقليدي يعكس البيئة العُمانية القديمة.
ويعود تاريخ البيت إلى أكثر من أربعين عامًا، وقد جرى تحويله قبل نحو عامين إلى مزار سياحي يستقبل الزوار الراغبين في قضاء وقت هادئ بعيدًا عن صخب المدن، والاستمتاع بالأجواء التراثية والطبيعة المحيطة.
ويتكون المشروع من ثلاثة أقسام رئيسية؛ الأول مقهى يقدم مجموعة من المأكولات والمشروبات، والثاني فضاء مفتوح يتيح للزوار التجول بين الأشجار والحيوانات في بيئة طبيعية جميلة، أما القسم الثالث فهو نُزل تراثي يوفر أماكن للإقامة المؤقتة للراغبين في قضاء تجربة سياحية مختلفة.
وقد حقق المشروع إقبالًا ملحوظًا منذ افتتاحه، إذ بلغ عدد زواره حتى مايو/أيار 2025 نحو 160 ألف سائح من أكثر من 63 دولة حول العالم، وهو ما يعكس الاهتمام المتزايد بالسياحة الثقافية وتجربة العيش في البيئات التقليدية.
ويضم المعرض التراثي في بيت فنجاء ثلاثة أقسام رئيسية، تشمل الأزياء العُمانية التقليدية التي تعكس تنوع الثقافة المحلية، إضافة إلى مجموعة من المقتنيات الأثرية مثل الخشبيات والسعفيات والفضيات والحلي التقليدية، إلى جانب صور توثق البيئة العُمانية والعادات والتقاليد والموروث الشعبي.
ويأتي انتشار هذه المشاريع ضمن توجه أوسع لتعزيز السياحة الثقافية في سلطنة عُمان، حيث تعمل وزارة التراث والسياحة على دعم هذه المبادرات وتشجيع إنشاء النزل التراثية وبيوت الضيافة التي توفر للسياح فرصة التعرف على الحياة العُمانية التقليدية والعيش في أجوائها.








