خلف ستار "انتهاء الأهداف" كيف يطبخ ترامب صراعات المنطقة على نار هادئة؟
حين يخرج دونالد ترامب ليعلن أن الحرب ستتوقف لأن الأهداف لم تعد موجودة، فهو يتحدث بلسان تاجر صفقات يعرف متى يغلق الدفاتر القديمة ليفتح أخرى أكثر ربحية. هذا التصريح ليس إعلاناً للسلام انّما هو إشارة لانتهاء صلاحية أوراق القوّة العسكرية لتحلّ مكانها مرحلة الخنق الاقتصادي، فبالنسبة لترامب، تدمير مخازن السلاح بالصواريخ المكلفة لا يضاهي فاعلية تجفيف منابع المال وجعل الخصوم يغرقون في أزماتهم الداخلية تحت ضغط العقوبات والعزل.
في هذه اللعبة المعقدة، تظهر مفارقة مصائب قوم عند قوم فوائد بأوضح صورها، فبينما تُضيّق واشنطن الخناق على طهران، نجدها تفتح الأبواب بشكل غير مباشر لموسكو حيث غضّ ترامب الطرف عن بيع بوتين للنفط الروسي لدول كبرى مثل الهند وغيرها.
ورغم أن روسيا حليف استراتيجي لإيران، غير أنها في الواقع كانت المستفيد الأكبر من هذه الأزمة، فغياب أو تراجع النفط الإيراني في الأسواق العالمية منح الروس فرصة ذهبية لزيادة حصتهم وتحقيق مكاسب مالية ضخمة، وهذا يثبت أن المصالح في السياسة الدولية تتقدم دائماً على العواطف والتحالفات مهما كانت دائمة ام مؤقتة.
إنّ هذا التحول في الموقف الأميركي يرمي بظلاله فوراً على الساحات العربية في العراق وسوريا ولبنان، التي تتحول في كل تهدئة إلى مختبرات لتوزيع حصص النفوذ. ودول الخليج بدورها ليست بعيدة عن هذا المشهد، فهي تدرك تماماً أن صمت المدافع بين واشنطن وطهران يعني بداية سباق جديد حول أمن الطاقة وتوازنات السوق، وهذا يتطلب منها اتباع سياسة حذرة جداً لضمان عدم دفع ثمن تفاهمات الكبار التي تُطبخ دائماً بعيداً عن أصحاب الأرض.
وإيران بدورها تجد نفسها اليوم أمام أصعب اختباراتها، فالتوقف عن الضربات العسكرية يحرمها من مظاهر القوّة الخارجية الذي كانت تستخدمها لشد العصب الداخلي، ويضعها وجهاً لوجه أمام شعب يئن تحت وطأة الغلاء وضغوط دولية تزداد قسوة.
الموازنة بين الحفاظ على نفوذها الإقليمي وبين إنقاذ اقتصادها من الانهيار ستكون هي المعركة الحقيقية، خصوصاً وهي ترى حليفها الروسي يجني ثمار الأزمة من ورائها. وهذا ما يفسّر زيادة التهديد اليوم لشعبها بأنها ستكون أشد قسوة وعنفاً مع أي تظاهرات داخلية جديدة.
وكل هذا ليس نهاية للصراع، بل انتقالاً لمرحلة أكثر مكراً وذكاءً فالجيوش أدت مهمتها وثبتت المواقع، والآن حان دور المصرفيين والمفاوضين لانتزاع التنازلات فوق الطاولات.
وإعلان نهاية الأهداف العسكرية ليس إلا استراحة محارب في حرب طويلة الأمد، سلاحها اليوم هو الرغيف والوقود والصفقات المتبادلة.