الصحراء: لحظة الواقعية الدبلوماسية
قد تكون بعض النقاشات الهادئة مقدمة لتحولات كبرى. ومن هذا القبيل الجلسة الأخيرة التي استمع خلالها الكونغرس إلى السفير الأميركي لدى منظمة الأمم المتحدة مايك والتز بشأن إصلاح منظومة الأمم المتحدة، فخلف الطابع التقني المرتبط بفعالية البعثات الدولية، يبرز في الواقع سؤال أعمق يتعلق بمصير عدد من النزاعات طويلة الأمد، وفي مقدمتها قضية الصحراء.
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، تحولت بعثة الأمم المتحدة المكلفة بمواكبة المسار السياسي في هذه المنطقة إلى حضور شبه دائم داخل المنظومة الدولية، غير أن تساؤلاً متزايداً بات يُطرح اليوم في واشنطن وفي عدد من العواصم الدولية: هل يمكن لإدارة الوضع القائم إلى ما لا نهاية أن تظل بديلاً عن استراتيجية دبلوماسية حقيقية؟
الرسالة التي برزت خلال هذه الجلسة كانت واضحة: لم يعد من الممكن تقييم البعثات الدولية فقط بطول مدة بقائها، بل بقدرتها الفعلية على إنتاج حلول سياسية ملموسة. ويندرج هذا التوجه ضمن دينامية أوسع لإصلاح الأمم المتحدة تقوم على ترسيخ مبادئ النجاعة والمسؤولية وتحقيق النتائج.
وعند إسقاط هذه المقاربة على ملف الصحراء، تتعزز حقيقة باتت تحظى باعتراف متزايد على الساحة الدولية، مفادها أن الخروج من هذا النزاع يمر عبر حل سياسي واقعي ودائم. وفي هذا السياق، يبرز مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب باعتباره الإطار الأكثر مصداقية وقابلية للتوافق، بما يجمع بين متطلبات الاستقرار الإقليمي، وآفاق التنمية، وضمان تدبير محلي فعال.
وفي ظل بيئة جيوسياسية تتسم بتقلبات عميقة، خاصة في منطقة الساحل، لم تعد قضية الصحراء مجرد خلاف إقليمي محدود. بل أضحت مرتبطة بشكل مباشر بمعادلات الأمن والاستقرار في شمال إفريقيا وبقدرة الفاعلين الإقليميين على ضمان التوازن والاستقرار.
وقد نجح المغرب، من خلال سياساته التنموية في الأقاليم الجنوبية ومن خلال دبلوماسيته الإفريقية النشطة، في ترسيخ صورته كفاعل موثوق في معادلة الاستقرار الإقليمي. وهذه المصداقية المتنامية هي التي تفسر التحول التدريجي في نظرة المجتمع الدولي إلى هذا الملف.
إن النقاش الذي انطلق في واشنطن يعكس في جوهره توجهاً أعمق داخل المجتمع الدولي: نفاد الصبر إزاء النزاعات المجمدة التي طال أمدها. لقد بلغ زمن الاكتفاء بإدارة الخلاف حدوده، بينما يفرض زمن الحلول السياسية الواقعية نفسه تدريجياً.
وفي هذه المعادلة الدبلوماسية الجديدة، تبدو الصحراء اليوم أقل فأقل كقضية مستعصية، وأكثر فأكثر كملف نضجت شروط تسويته.