ضحك بنكهة مراكش

الكوميديا تجد لها بيتاً جديداً في المدينة الحمراء، ومهرجانها الأول يعد بجمع الثقافات واللغات في عرض واحد يقوده اسم بارز في الساحة الفنية.

 مراكش ـ بعد غياب امتد لأربع سنوات، يعود مهرجان "مراكش للضحك" إلى الواجهة، لكن هذه المرة في صيغة متجددة تحمل تغييرات لافتة على مستوى الاسم والمضمون وفريق العمل.

وعرف الحدث الذي أطلقه الكوميدي جمال دبوز سنة 2011، مسارا متقلبا خلال السنوات الأخيرة، إذ توقف منذ 2020 بسبب تداعيات جائحة كوفيد-19، قبل أن يعود في دورة عاشرة سنة 2022، ثم يدخل مجددا في مرحلة توقف لأسباب لوجستية.

اليوم، وبعد سنوات من التوقف، يعود المهرجان بروح جديدة، حيث تم تغيير اسمه ليصبح "مهرجان مراكش للكوميديا"، في خطوة تعكس رغبة المنظمين في إعادة تموقعه ضمن مشهد فني أكثر انفتاحًا وتنوعا.

ومن المرتقب أن تحتضن مراكش فعاليات هذه الدورة خلال الفترة ما بين 4 و6 يونيو 2026، غير أن التغيير لم يقتصر على الاسم فقط، بل شمل أيضًا فضاء العرض، إذ سينتقل الحدث من قصر البديع، الذي ارتبط به لسنوات، إلى قصر المؤتمرات، أحد أبرز المراكز الثقافية الحديثة في المدينة.

كما طالت التغييرات جانب البث التلفزيوني، حيث لن يُعرض المهرجان هذه المرة على قناة "إم6" الفرنسية، بل سيتم نقله عبر منصة "ديزناي +" خلال شهري أكتوبر أو نوفمبر، إلى جانب بثه على قنوات دولية أخرى مثل "تي في 5 موند"، في خطوة تعكس التحول نحو المنصات الرقمية وتوسيع قاعدة الجمهور المستهدف.

في موازاة هذه التحولات، تشهد الدورة الجديدة مشاركة أسماء فنية بارزة، إلى جانب وجوه صاعدة، ما يعزز الطابع المتجدد للمهرجان. ويبرز من بين هذه الأسماء الكوميدي مالك بنطلحة، الذي سيخوض تجربة مختلفة من خلال توليه تقديم إحدى أمسيات المهرجان، في تحول لافت عن أدواره المعتادة كفنان “ستاند أب”.

الإعلان عن هذه الخطوة، الذي تم في 24 مارس 2026، أثار تفاعلا واسعا في الأوساط الفنية، خاصة أن بنطلحة اشتهر بأسلوبه الساخر وحضوره القوي على المسرح، لا بدور مقدم العروض. وتمثل هذه التجربة الجديدة امتدادا طبيعيا لمسيرته، التي شهدت تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث تنوع المواضيع التي يتناولها أو طبيعة العروض التي يقدمها.

ويعكس هذا التحول رغبة في خوض تحديات جديدة، حيث سيكون على بنطلحة إدارة إيقاع أمسية كاملة، والتنسيق بين فنانين مختلفين، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور وانسجام العرض. وهو ما يتطلب مهارات إضافية تتجاوز الأداء الفردي، نحو قيادة تجربة جماعية متكاملة.

ويأتي تنظيم مهرجان مراكش للكوميديا في سياق دينامية ثقافية متنامية تعرفها المدينة، التي رسخت مكانتها كوجهة عالمية للفنون، من خلال احتضانها لمهرجانات سينمائية وموسيقية بارزة. غير أن هذا الحدث الجديد يسعى إلى تعزيز حضور فن الكوميديا، الذي بات يحظى بشعبية متزايدة، خاصة مع انتشار عروض “الستاند أب” عبر المنصات الرقمية.

ومن أبرز ملامح هذه الدورة، التركيز على التنوع الفني، من خلال برمجة تجمع بين فنانين ناطقين بالعربية والفرنسية، إلى جانب مشاركات دولية، ما يمنح المهرجان بعدًا عابرًا للثقافات. كما يسعى المنظمون إلى خلق جسر بين الأجيال، عبر الجمع بين أسماء معروفة ومواهب شابة، في محاولة لإثراء التجربة الفنية ودعم الطاقات الصاعدة.

هذا التوجه يعكس رؤية واضحة تقوم على الانفتاح والتجديد، حيث لا يقتصر الهدف على تقديم عروض كوميدية فقط، بل يتجاوز ذلك نحو بناء منصة تفاعلية تسمح بتبادل الخبرات والتجارب بين الفنانين، وتمنح الجمهور فرصة لاكتشاف أنماط مختلفة من الفكاهة.

في المقابل، يراهن المهرجان أيضًا على عنصر المفاجأة، من خلال الإعلان عن إمكانية حضور أسماء بارزة بشكل غير متوقع، سواء على خشبة المسرح أو ضمن الجمهور، ما يضفي طابعًا خاصًا على الحدث ويعزز من جاذبيته.

ولا يخفي المتابعون أن هذا المشروع يحمل طموحًا يتجاوز حدود الترفيه، إذ يسعى إلى ترسيخ موعد سنوي جديد ضمن الأجندة الثقافية للمدينة، وتعزيز مكانة مراكش كعاصمة للفنون، قادرة على استقطاب مختلف أشكال التعبير الإبداعي.

وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن مهرجان مراكش للكوميديا يقف على أعتاب مرحلة جديدة، تجمع بين إرث الماضي وروح التجديد، في محاولة لكتابة فصل مختلف في تاريخ الكوميديا بالمنطقة. وبين التحديات التي واجهته في السابق، والآفاق التي يفتحها اليوم، يترقب الجمهور هذه العودة بصيغة جديدة، قد تجعل من مراكش منصة أساسية للضحك والفن، ومجالًا لتلاقي الثقافات والأجيال.