براغ تنحاز للواقعية
في تحول دبلوماسي يحمل أكثر من دلالة، اختارت جمهورية التشيك أن تضع ثقلها السياسي في كفة "الواقعية" داخل واحد من أكثر النزاعات الإقليمية تعقيداً واستمراراً. فتصريحها بأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو "الحل الأكثر قابلية للتطبيق" لا يمكن قراءته كمجرد موقف عابر، بل كإشارة واضحة إلى تغير تدريجي في مزاج عدد من الدول الأوروبية تجاه هذا الملف.
اللقاء الذي جمع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بنظيره التشيكي بيتر ماكينكا في الرباط، لم يكن مناسبة بروتوكولية بقدر ما شكّل لحظة سياسية مكثفة، تُوِّجت بإعلان مشترك يعكس تقاطعاً متقدماً في الرؤى. فالتشيك، وهي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، لم تكتفِ بدعم نظري لمبادرة الحكم الذاتي، بل أعلنت نيتها التصرف على هذا الأساس، وهو ما يمنح موقفها طابعاً عملياً يتجاوز اللغة الدبلوماسية التقليدية.
الأهم في هذا التحول هو انتقال براغ من مستوى التصريحات إلى مستوى الإجراءات. فقرار توسيع التغطية القنصلية ليشمل الأقاليم الجنوبية، إلى جانب برمجة زيارات اقتصادية واستكشافية لرجال الأعمال التشيكيين، يعكس إدراكاً متزايداً بأن الصحراء لم تعد فقط موضوع نزاع سياسي، بل فضاءً للاستثمار والشراكة. وهذه النقلة النوعية تترجم توجهاً أوروبياً ناشئاً يرى في الاستقرار الذي يوفره المقترح المغربي مدخلاً لتنمية اقتصادية واعدة.
كما أن تأييد التشيك لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 (2025)، وإشارتها الصريحة إلى أن مبادرة الحكم الذاتي لسنة 2007 هي "الأكثر جدية ومصداقية"، يضعها ضمن دائرة الدول التي لم تعد تكتفي بالحياد الإجرائي، بل تميل إلى دعم حل سياسي محدد المعالم. هذا الموقف يعزز ما يمكن وصفه بتراكم دولي لصالح المقاربة المغربية، التي باتت تُقدَّم باعتبارها الإطار الوحيد القادر على إنهاء النزاع بشكل واقعي ومستدام.
في السياق ذاته، لا يمكن إغفال البعد الأممي في هذا التطور. فدعم الجهود التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة يندرج ضمن رغبة مشتركة في الحفاظ على المسار السياسي، لكن مع إعادة توجيهه نحو حلول قابلة للتنفيذ، بدل الاستمرار في مقاربات أثبتت محدوديتها على مدى عقود.
ما تكشفه هذه الخطوة التشيكية، في العمق، هو أن ميزان القوى الدبلوماسي في ملف الصحراء يشهد إعادة تشكل تدريجية. لم يعد النقاش محصوراً في منطق "النزاع المفتوح"، بل بدأ يتحول نحو البحث عن تسوية واقعية تحظى بدعم دولي متنامٍ. وفي هذا التحول، تبدو الرباط أكثر قدرة على فرض مقاربتها، مستفيدة من شبكة دعم تتسع بهدوء ولكن بثبات.
بذلك، لا تمثل براغ مجرد صوت إضافي في جوقة داعمة، بل مؤشرًا على مسار أوسع قد يعيد رسم ملامح الحل النهائي لهذا النزاع، حيث تتقدم الواقعية السياسية على حساب الشعارات، وتفرض الاعتبارات الاقتصادية والاستراتيجية نفسها كعوامل حاسمة في صناعة القرار الدولي.