القضاء العراقي يحذر من عقوبات دولية بسبب تصعيد الفصائل

رئيس مجلس القضاء الأعلى يعتبر انفراد بعض الفصائل باتخاذ قرارات تتعلق بالحرب والسلم انتهاكاً صريحاً للدستور.
فائق زيدان يؤكد أن تعدد مراكز اتخاذ القرار العسكري يؤدي إلى حالة من الفوضى

بغداد - تتزايد التحذيرات داخل العراق من مخاطر انزلاق البلاد إلى صراعات إقليمية في ظل استمرار بعض الفصائل المسلحة في التحرك خارج الأطر الرسمية، وهو ما يثير قلقاً واسعاً بشأن مستقبل الاستقرار السياسي والأمني، خصوصاً مع احتدام التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وتحوّل الساحة العراقية إلى نقطة اشتباك.
وفي هذا السياق، أطلق رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي فائق زيدان، موقفاً حاسماً حذّر فيه من "تداعيات خطيرة" قد تترتب على انفراد بعض الفصائل باتخاذ قرارات تتعلق بالحرب والسلم، معتبراً أن هذه السلوكيات تمثل انتهاكاً صريحاً للدستور، وتعرّض الدولة لاحتمال الوقوع تحت طائلة عقوبات دولية بسبب تصرفات لا تصدر عن مؤسساتها الرسمية.

وفي تفصيل قانوني، أوضح زيدان أن الدستور العراقي، وتحديداً المادة (61/ تاسعاً)، رسم مساراً دقيقاً لإعلان الحرب، يتطلب تنسيقاً بين رئاستي الجمهورية والوزراء، إلى جانب موافقة ثلثي أعضاء البرلمان. وبيّن أن تجاوز هذا الإطار المؤسسي لا يمس فقط بالإجراءات القانونية، بل يهدد جوهر النظام الديمقراطي ويقوّض مبدأ سيادة القانون.
وأشار إلى أن لجوء بعض الفصائل إلى ممارسة أنشطة ذات طابع عسكري يُعد بمثابة إعلان حرب فعلي خارج الشرعية الدستورية، وهو أمر يحصره القانون حصراً بالسلطات التي تمثل الإرادة الشعبية. وأضاف أن الإقدام على مثل هذه الخطوات من قبل جهات غير مخولة يضعف هيبة الدولة ويضرب أسس النظام القانوني.
ومن الناحية الأمنية، لفت زيدان إلى أن تعدد مراكز اتخاذ القرار العسكري نتيجة هذا الانفلات يؤدي إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار، وقد يدفع البلاد إلى مواجهات داخلية أو انخراط في نزاعات إقليمية دون وجود توافق وطني. كما نبه إلى أن انتشار السلاح خارج إطار الدولة يعزز احتمالات اندلاع صدامات بين أطراف مختلفة داخل المجتمع، ما يزيد من هشاشة الوضع الأمني.
سياسياً، اعتبر أن هذه الممارسات تمثل تهديداً مباشراً للنظام الديمقراطي، لأنها تتجاوز دور المؤسسات المنتخبة وتهمّشها، الأمر الذي قد يؤدي إلى تآكل ثقة المواطنين بالدولة. كما حذّر من أن اتخاذ قرارات بالحرب خارج القنوات الرسمية قد يعرّض العراق لعزلة دولية أو لإجراءات عقابية نتيجة أفعال لا تستند إلى شرعية قانونية.
وعلى الصعيد الاجتماعي، أكد زيدان أن تداعيات هذا الوضع تنعكس بوضوح على حياة المواطنين، إذ يعيش العراقيون في أجواء من القلق وعدم اليقين، في وقت تتأثر فيه الخدمات العامة والأنشطة الاقتصادية بفعل استمرار التوترات الأمنية.
وختم رئيس مجلس القضاء الأعلى بالتشديد على أن انفراد الفصائل المسلحة بقرار الحرب يمثل خطراً بالغاً على الدولة والمجتمع، كونه يمس السيادة الوطنية ويقوّض النظام القانوني. ودعا إلى ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز دور المؤسسات الدستورية بوصفها الضامن الأساسي للأمن والاستقرار، وبما يمهد لبناء دولة قوية قائمة على الشرعية وسيادة القانون.
ويحذر مسؤولون عراقيون من أن انتشار السلاح خارج نطاق الدولة يعمق حالة الهشاشة الأمنية، ويزيد من احتمالات الاحتكاك بين قوى مختلفة داخل المجتمع. كما أن استمرار الفصائل في تبني أجندات مرتبطة بصراعات خارجية يضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية، ويقوض أسس النظام الديمقراطي الذي يقوم على احتكار الدولة لاستخدام القوة.
على الصعيد الدولي، تتعرض بغداد لضغوط متزايدة من قوى كبرى، في مقدمتها الولايات المتحدة، التي تطالب باتخاذ خطوات أكثر صرامة للحد من نفوذ الفصائل المسلحة، خصوصاً تلك المرتبطة بإيران. وكانت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد كثفت، خلال فترات سابقة، الضغوط على الحكومة العراقية لحل أو إعادة هيكلة هذه الجماعات، معتبرة أنها تشكل تهديداً للاستقرار الإقليمي.
وقد ترافقت هذه الضغوط مع ضربات جوية استهدفت مواقع تابعة لفصائل ضمن هيئة الحشد الشعبي، بل وامتدت في بعض الأحيان لتطال مواقع للجيش العراقي، في رد على هجمات صاروخية استهدفت قواعد عسكرية ومقار دبلوماسية أميركية داخل العراق. هذا التصعيد عزز المخاوف من تحول الأراضي العراقية إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين أطراف دولية وإقليمية.
وإقليمياً، تطالب عدة دول مجاورة الحكومة العراقية باتخاذ موقف أكثر حزماً تجاه الفصائل المسلحة، متهمة بعضها بتنفيذ عمليات عبر الحدود تهدد أمن المنطقة. وترى هذه الدول أن استمرار هذا الوضع يفاقم حالة عدم الاستقرار، ويزيد من تعقيد المشهد الأمني في الشرق الأوسط.
وانعكاسات هذا التوتر لا تقتصر على الجوانب السياسية والأمنية، بل تمتد إلى الحياة اليومية للعراقيين، الذين يعيشون حالة من القلق المستمر في ظل احتمالات التصعيد. كما يتأثر الاقتصاد سلباً نتيجة تراجع الاستثمارات وتعطل بعض القطاعات الحيوية بسبب الاضطرابات.
وفي ظل هذه التحديات، تتزايد الدعوات داخل العراق لحصر السلاح بيد الدولة وتعزيز دور المؤسسات الدستورية، باعتبار ذلك السبيل الوحيد لتفادي الانزلاق إلى صراعات مفتوحة. ويؤكد خبراء أن نجاح الحكومة في فرض سيادتها يمثل اختباراً حاسماً لقدرتها على حماية البلاد من تداعيات صراعات لا تخدم مصالحها الوطنية.