كوستاريكا تكسر الصمت: العالم ينحاز تدريجيًا للمقترح المغربي

كوستاريكا لم تكتفِ بإعلان موقف نظري، بل ذهبت أبعد حين أكدت نيتها ترجمة هذا التوجه على مختلف المستويات: السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والقنصلية.

في سياق دولي متحول، لم يعد ملف الصحراء المغربية مجرد نزاع إقليمي تقليدي، بل تحول إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة المجتمع الدولي على تبني حلول واقعية بدل الاستمرار في إدارة الأزمات. وفي هذا الإطار، يكتسي الموقف الأخير لجمهورية كوستاريكا دلالة أعمق من مجرد إعلان دبلوماسي عابر؛ إنه مؤشر إضافي على تحوّل نوعي في مقاربة هذا النزاع، عنوانه الأبرز: صعود المقترح المغربي كخيار جدي وذي مصداقية.

فحين تصف دولة من أميركا اللاتينية، ذات تقاليد دبلوماسية متوازنة، مبادرة الحكم الذاتي المغربية بأنها "الأساس الأكثر ملاءمة وجدية ومصداقية وواقعية"، فإن الأمر لا يتعلق فقط بدعم سياسي، بل بإعادة تموقع ضمن خريطة دولية باتت تعطي الأولوية للحلول الممكنة بدل الشعارات غير القابلة للتنفيذ. هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن منطق "الحد الأقصى" الذي طبع هذا النزاع لعقود، لم يعد قادرًا على إنتاج أي أفق سياسي.

الأهم من ذلك، أن كوستاريكا لم تكتفِ بإعلان موقف نظري، بل ذهبت أبعد حين أكدت نيتها ترجمة هذا التوجه على مختلف المستويات: السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والقنصلية. وهنا يكمن جوهر التحول؛ فالدعم لم يعد يُقاس فقط بالتصريحات، بل بمدى اندماجه في السياسات العمومية للدول، وهو ما يعزز تدريجيًا شرعية المقترح المغربي داخل المنظومة الدولية.

هذا التطور يندرج ضمن دينامية أوسع، حيث يتزايد عدد الدول التي ترى في الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية صيغة توازن بين مبدأي السيادة والوحدة الترابية من جهة، ومتطلبات التدبير الديمقراطي المحلي من جهة أخرى. إنها صيغة لا تكتفي بإنهاء النزاع، بل تقدم تصورًا عمليًا لكيفية تدبيره بعد الحل، وهو ما يفتقده أي طرح بديل.

كما أن الإشارة إلى القرار الأخير لمجلس الأمن، وما يحمله من تأكيد على واقعية الحلول، تعكس انسجامًا متناميًا بين مواقف الدول الصاعدة ومقاربة الأمم المتحدة، التي باتت بدورها تميل إلى تكريس منطق "الحل السياسي الواقعي والعملي". وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري الذي تضطلع به الدبلوماسية المغربية، مدعومة برؤية استراتيجية يقودها الملك محمد السادس، في تحويل هذا الزخم إلى مكاسب ملموسة.

غير أن ما يميز المرحلة الراهنة ليس فقط تراكم المواقف الداعمة، بل طبيعة هذه المواقف نفسها. نحن أمام انتقال من الحياد الحذر إلى الانخراط الصريح، ومن الغموض الدبلوماسي إلى وضوح استراتيجي يربط بين الاستقرار الإقليمي والتنمية المشتركة. فالدول التي تدعم اليوم المقترح المغربي لا تفعل ذلك بدافع المجاملة، بل انطلاقًا من قراءة واقعية لمصالحها ولمستقبل المنطقة.

في المحصلة، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان المقترح المغربي يحظى بالدعم، بل إلى أي مدى سيتسع هذا الدعم، وكيف سيتحول إلى كتلة دولية ضاغطة تدفع نحو حل نهائي. وموقف كوستاريكا ليس سوى حلقة جديدة في هذا المسار، الذي يبدو أنه يسير، بثبات، نحو ترسيخ قناعة دولية مفادها: أن الواقعية السياسية ليست خيارًا تكتيكيًا، بل أصبحت ضرورة استراتيجية.